عندما يصبح الاختلاف ثراءً: قصة التعايش في موريتانيا

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

لقد صاغ أسلافنا فضاءً التقت فيه جماعات متعددة – من البيظان، والفلان، والسونينكي، والولوف، البمبارا – لا بوصفها خصوماً متقابلين، بل كعناصر متكاملة داخل لوحة حضارية واسعة.

 

اللباس شاهد على الامتزاج. فزي ”الدراعة”، الذي يلبسه اليوم البيظان والزنوج الأفارقة على السواء، هو ثمرة انتقال للأشكال عبر الزمن. كان البيظان يرتدون القفطان، علامةً على إرث أندلسي ومغربي، لكن تأثير الجيران من الفلان والسونينكي تجسّد لاحقاً في تبنّي الدراعة الفضفاضة، الذي غدا أشبه بجلد ثانٍ لهوية مشتركة. في خيوط النسيج، انسجمت حكاية الأخوّة.

 

الموسيقى هي الأخرى تكشف عن هذا التلاقي. فقد استلهم فنانو البيظان – وهم في الغالب منحدرون من أسر عريقة – الألحان الفلانية والسونينكية والولوفية والبمبارية. وتهتز أوتار التيدنيت، أخت العود الماندنغي، بنفس النبض الذي يهتز به النغوني. وتمتد ألحان السودو پاثي داخل أشوار الأزوان، حتى تغدو كل نغمة امتداداً لقرابة دفينة، وكل لحن لقاءً جديداً بين أبناء عمومة فرّقتهم الأزمنة.

 

ويُروى أن المرابطين، حين دخلوا سجلماسة، حطّموا الآلات الموسيقية التي رأوها عبثاً، لكن المجتمعات صمدت وأعادت تأكيد قوة الفرح المشترك.

 

في الطقوس اليومية، أصبح الشاي بثلاثة كؤوس طقساً راسخاً، خطَّ في الذاكرة الوطنية رمزاً للودّ الدائم.

 

وفي فنون الطبخ، تجلّى التمازج الذوقي: فالكسكس التحم بـ”اللخ” المصنوع من الدخن، وبـ”لمبَخّل” المعطّر بالبصل، وبالصلصات الغنية بالباميا. ففي القدر، كما في التاريخ، تختلط المكونات من غير أن يُلغِي أحدُها الآخر.

 

أما السكن، فقد روى هو الآخر هذه المشاركة: فـ”الخيمة” رمز البداوة تقابلها “الكوخ المستدير” أو “البيت الطيني”. ورغم تباين أشكالها، فإنها جميعاً تعكس فلسفة واحدة: ملاءمة العمران للفضاء والمناخ وحاجات الجماعة. التنوع هنا ليس تناقضاً، بل تنويعٌ على لحن واحد.

 

القافلة، بدورها، كانت مدرسة كبرى للتعاون. فقد سيّر التجار الجِمال المحمّلة بالملح والدخن والأقمشة. ولم يكن التبادل مجرد اقتصاد، بل كان تبادلاً حضارياً أيضاً.

 

وفي قلب هذا التمازج، ارتسم الإسلام المالكي، الذي سوّى الفوارق ورسم أفقاً مشتركاً. ففي حين انقسمت مجتمعات إسلامية أخرى بين سنة وشيعة، منح مذهب المالكية لموريتانيا وحدة عقائدية صلبة.

 

صحيح أن أصواتاً نشازاً حاولت، بين الفينة والأخرى، شقّ هذه الوحدة، لكنها لم تحمل قضية حقيقية؛ بل سعت إلى استغلال المعاناة لبناء جدران حيث أقام التاريخ جسوراً. فهي ترفع شعار العدالة لا لرفع الظلم، بل لتعيين مذنبين جماعيين، فتخلط بين خطايا الأفراد وروح الجماعات.

 

لكن الإنصاف يقتضي التمييز: فالنضال ضد الظلم واجب وضروري، لكنه يفقد مشروعيته حين يتحوّل إلى اتهام شامل على أساس العرق. فكل جماعة، في داخلها، عرفت مراتب وإقصاءات ومظالم. ولا جماعة وحدها تتحمل وزر التاريخ.

 

ورغم محاولات العصر الحديث لبثّ الشقاق – عبر تمويلات خارجية، وخطابات مؤدلجة، وراديكاليات مستوردة – فقد صمدت الوحدة. لأن كل جماعة تعلم أنها أراقَت دمها دفاعاً عن وحدة الوطن، وسكبت مدادها حفاظاً على سِلمه.

 

ويقول المثل الحساني: “من يشاركك القصعة، إن سكبتها، تخسران معاً.” وهكذا هي جماعات موريتانيا: كالعين، لا يُستغنى فيها عن الأبيض ولا عن الأسود، فكلٌّ يعطي الآخر معناه.

 

إن موريتانيا، بالأمس كما اليوم، ليست تجميعاً هشّاً لأعراق، بل سيمفونية تاريخية تعزف فيها كل جماعة لحنها الخاص. ومن يحاول إدخال نشاز الفرقة سيُحبَط دوماً، لأن الصحراء علّمت أبناءها أن التضامن شرط للبقاء.

 

محمد ولد الشريف الشريف 

 

 

 

جمعة, 03/10/2025 - 20:09