
أخيراً انتهت الحرب المرعبة والظالمة التي شنها الكيان الصهيوني ومن خلفه العالم كله تقريباً على قطاع غزة, أكثر من عامين من القصف والتدمير الذي طال كل شيء في القطاع المحاصر المظلوم الذي كان ومازال خاضعاً لحصار مطبق منذ نحو 18 عاماً, أكثر من 200 الف طن من القنابل والمتفجرات (تعادل اكثر من 13 قنبلة نووية كالتي ألقيت على هيروشيما عام 1945) تم إلقائها على القطاع الضيق التي بالكاد تبلغ مساحته نحو 350 كيلومتر مربع, اي بمعدل نحو 571 طن من المتفجرات على كل كيلومتر مربع واحد او اكثر من 57 كيلوجرام متفجرات على كل متر مربع واحد وهذه نسبة غير مسبوقة في تاريخ البشرية...!!!!
برغم الحجم المخيف والغير مسبوق للدمار الذي لحق بالبيوت والبنى التحتية والمدارس والمستشفيات والمساجد والطرق وشبكات الماء والكهرباء, الا أن اهل قطاع غزة اصروا الى العودة الى بيوتهم واماكنسكناهم التي تحولت الى انقاض وهم يعلمون ذلك, وفضلوا الرجوع اليهاوالعيش في خيمة فوق ركام منازلهم والتشبث بتراب بلادهم ووطنهم مسجلين فصلاً ناصعاً جديداً في الرجولة والتضحية والصمود والوطنية والفداء.
القراءة المتأنية للنتائج السياسية والعسكرية والإستراتيجية للحرب الشعواء التي شنتها اسرائيل على قطاع غزة تُظهر إسرائيل عكس ما تدعيه بأنها أحرزت انتصاراً كبيراً وحققت كل اهدافها من هذه الحرب، في جوهر الأمر، فانها خسرت استراتيجياً، حتى وإن بدت في الظاهر كمن تفوق عسكرياً, فالحروب في هذا العصر لا تُقاس فقط بعدد الغارات الجوية أو كميات المتفجرات والصواريخ التي تطلقها الطائرات او ارتفاع عدد ضحاياها من الاطفال والنساء والشيوخ والصحفيين وموظفي الاغاثة والمنظمات الدولية، فهذه سهلة جداً بالنسبة لاي كيان يستطيع الحصول على اسلحة وطائرات وصواريخ في حين خصمه لا يمتلك اي منها, بل حتى لا يمتلك اي شئ يدافع به عن نفسه من هذه الاسلحة الفتاكة كما هو الوضع في الحالة الفلسطينية الاسرائيلية, والنتائج النهائية للحروب تقاس بمآلاتها السياسية والاستراتيجية، وتوازناتها الإقليمية، وصورتها الشاملة من كل الزوايا في الوعي الجمعي العالمي.
من الناحية العسكرية، سعت إسرائيل منذ بداية الحرب إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية: القضاء على المقاومة الفلسطينية، استعادة الاسرى بالقوة العسكرية، ونزع سلاح قطاع غزة, ثم في بداية عهد الرئيس الامريكي دونالد ترامب مطلع العام الجاري اضافت بضوء اخضر منه هدفاً رابعاً وهو تهجير اهالي قطاع غزة.
المقاومة كانت حددت هدفها الاستراتيجي قبل الحرب في تصريح لقائدها الراحل السنوار في مقابلة تلفزيونية شهيرة له قال فيها إما ان تقبل اسرائيل بالشرعية الدولية والموافقة على اقامة دولة فلسطينية على اراضي 1967 وعاصمتها القدس وإما سنحولها الى دولة معزولة أو منبوذة عالمياً", من جهته قال الناطق باسم المقاومة الهدف تبييض السجون وهذا ما لم يتحقق كلياً بل جزئياً.
طوال العامين الماضيين عمر هذه الحرب المروعة لم تستطع اسرائيل تحقيق اي من اهدافها التي سبقت الاشارة اليها بالقوة العسكرية,فالمقاومة لم تُهزم وما زالت قادرة على إدارة المعركة في بيئات حضرية معقدة، واستخدام تكتيكات مرنة أربكت الجيش الإسرائيلي وكبدته خسائر فادحة في الارواح والمعدات, ولم يستطيع الصهاينة اطلاق اسير واحد الا بصفقة سياسية وتبادل اسرى وهذا في الواقع كان أحد أهماهداف المقاومة, وهذا بالفعل ما حدث, حيث تم اطلاق الاسرى الصهاينة بموجب صفقات واتفاقات فقط وعلى دفعات اخرها الاثنين 13 اكتوبر الجاري مقابل باطلاق المئات من الاسرى الفلسطينيين بينهم العديد من اصحاب احكام بالمؤبد, اي ان المقاومة هي التي سجلت نقطة تحسب لها في هذا الشأن بعكس اسرائيل التي خسرت هذه النقطة, وكذلك أهل قطاع غزة بقوا في وطنهم رغم كل جرائم الحرب والابادة الجماعية التي ارتكبها الصهاينة بحقهم وعشرات الاف الشهداء ومئات الاف المصابين والجرحى وتدمير كل مقومات الحياة وذلك بهدف تهجيرهم واجبارهم على ترك بلادهم, الا انهم ما زالوا صامدين صلبين متشبثين بتراب ارضهموما تبقى من ركام بيوتهم.
نعم رغم الدمار شبه الكامل الذي لحق بالبنية التحتية في قطاع غزة، فإن القدرة على الصمود للمجتمع الفلسطيني كانت المفاجأة الأكبر لإسرائيل ومن خلفها, فبدل أن تضعف المقاومة، زاد حضورها، وبرزت رمزية صمود قطاع غزة كعامل توحيد للفلسطينيين ليس في القطاع فقط بل ايضاً في الضفة والداخل والشتات.
اما استراتيجياً, تقوم العقيدة الأمنية الإسرائيلية على مبدأ “الردع بالصدمة” أي استخدام القوة المفرطة لتحقيق الخضوع السريع, لكن نتائج الحرب الأخيرة أظهرت تآكل هذا المفهوم، إذ فقدت إسرائيل ما كانت تعتبره ميزة لها وهو فرض معادلة الردع على خصومها, فقد أثبتت المقاومة أن امتلاك الإرادة والقدرة والعزيمةعلى الاستمرار في القتال يمكن أن يعادل أو يتجاوز التفوق التكنولوجي والعسكري, ونحجت كذلك في كسر هيبة الجيش الصهيوني وحاجز الرعب الذي بنته اسرائيل حول جيشها وكانت حريصة على الحفاظ عليه طوال حياتها, فقد اصبحت دباباتها في هذه الحرب صيداً سهلاً لرجال المقاومة وأصبح تدمير هذه الدبابات الاكثر تطوراً في العالم من المسافة قبل الصفر امراً مألوفاً لدى هؤلاء الرجال وكانوا السباقون في ادراجه بجدارة في القاموس العسكري العالمي الذي كان يخلو من هذا النوع من العمليات الخارقة البطولة التي أذهلت العالم.
الواقع ان الحرب ألحقت ضرراً بالغاً بصورة إسرائيل كقوة لا تُقهر، وهي الصورة التي بنت عليها مشروعها السياسي منذ عام 1948, فالعجز عن تحقيق نصر واضح بعد شهور من العمليات المكثفة على فصيل محاصر لاكثر من 17 عاماً ومحدود العتاد والعدة برغم كل الدعم والمساندة على كافة المستويات من كل دول العالم تقريباً, وتزايد الخسائر في صفوف الجيش، ذلك كشف محدودية فاعلية القوة الصلبة للصهاينة (مهما بلغت) أمام الارادة الفولاذية والصمود الاسطوري لاصحاب الحق والارض والجغرافيا والتاريخ والمستقبل بإذن الله.
وكذلك على الصعيد الدولي، واجهت إسرائيل تحدياً غير مسبوق في شرعيتها الأخلاقية والسياسية, وفي سرديتها التاريخية, مشاهد الدمار الهائل في غزة، واستهداف المستشفيات والمدارس، وتحول القطاع إلى ركام، أعادت تعريف إسرائيل في الرأي العام العالمي من “دولة تدافع عن نفسها” إلى قوة احتلال عسكري قمعي ترتكب جرائم حرب وإبادة الجماعية, لم يعد الخطاب الإسرائيلي يجد صدى حتى في العواصم الغربية التي كانت حليفاً تقليدياً لها, فحكومات أوروبية مثل بريطانيا وفرنسا وكندا وإسبانيا وإيرلندا والنرويج، أعلنت اعترافها بدولة فلسطين، حتى في الولايات المتحدة حصن اسرائيل الحصين فقد بدأ الرأي العام الأمريكي، خاصة بين الشباب والليبراليين، ينقلب ضد الدعم الامريكي المهول وغير المشروط لاسرائيل, وهذه التحولات ليست عابرة، بل تُشكل تآكلاً بطيئاً في شبكة الدعم العسكري والسياسي والرمزي التي اعتمدت عليها إسرائيل في وجودها.
في الداخل الإسرائيلي، أدت الحرب إلى تعميق الانقسامات البنيوية بين التيارات السياسية والدينية والقومية.
فالحكومة اليمينية المتطرفة بقيادة نتنياهو تواجه اتهامات بالفشل، وبإدارة الحرب لأغراض شخصية وسياسية داخلية، بينما يعاني الجيش من أزمة ثقة في صفوف جنوده وضباطه، نتيجة طول أمد الحرب وغياب رؤية استراتيجية واضحة للنهاية.
كما أدت الحرب إلى استنزاف اقتصادي كبير، وتراجع الثقة الدولية في البيئة الاستثمارية الإسرائيلية، وارتفاع معدلات الهجرة العكسية لبعض الفئات المؤثرة في قطاعات التكنولوجيا والبحث العلمي, وانقسام سياسي ومجتمعي غير مسبوق, أي ان الحرب إلى إضعاف الداخل الإسرائيلي كثيراً.
من الناحية الإقليمية، أظهرت الحرب وما رافقها من تطورات أن إسرائيل لم تعد تستطيع تسويق نفسها كحليف عسكري وأمني موثوق يمكن الركون اليه كما في الماضي, وخصوصاً في منطقة الخيلج العربي,وكشفت حدود التطبيع وفشله في تحقيق ما كان متوقع منه على المستوى الامني وخصوصاً اثر التقارب الخليجي الايراني, كما أن محاولات الولايات المتحدة لتوسيع دائرة تحالفات او تطبيع اسرائيل مع دول عربية وإسلامية فشلت هي الاخرى، إذ أصبح أي تقارب مع اسرائيل يعتبرعبئاً سياسياً وأخلاقياً على الأنظمة المطبّعة, هذا في الوقت التي تقطع دول غير مسلمة وغيرعربية علاقاتها مع اسرائيل نتيجة لجرائمها المروعة ضد اطفال ونساء الشعب الفلسطيني الغير مسبوقة.
هذا بالاضافة الى ان المواقف العربية، رغم تفاوتها، أبرزت أن الشعوب العربية تتمسك بالقضية الفلسطينية كقضية مركزية غير قابلة للتجاوز.
خلاصة المشهد أن إسرائيل، رغم ما حققته من “إنجازات ميدانية”، خرجت من الحرب أضعف مما دخلتها.
لقد خسرت في ثلاثة مستويات أساسية: الشرعية الأخلاقية، الردع الاستراتيجي، والتماسك الداخلي.
أما الفلسطينيون، فرغم الخسائر الإنسانية الفادحة، فقد ربحوا معركة الوعي والرمزية، وأعادوا قضيتهم إلى قلب المشهد الدولي.
وهكذا، يمكن القول إن الحرب على غزة لم تكن انتصاراً لإسرائيل بقدر ما كانت مرآة لعجزها البنيوي عن تحقيق أمنها عبر القوة، وعن فرض واقع سياسي يتجاهل جذور الصراع وحقوق الشعب الفلسطيني, فقد برهنت هذه الحرب بأن القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني غير قابلة للتجاوز وعصية على التصفية, كل ما سبق يجعل “النصر العسكريالمزعوم” شكلاً من أشكال الهزيمة الاستراتيجية المقنعة.
اخر الكلام:
خلال العامين الماضيين نجح الشعب الفلسطيني بإمتياز في ايصال رسالة للعالم وخصوصاً لاعدائه وتحديداً لنتنياهو انه صاحب قضية عادلة لا يمكن الالتفاف عليها بأي حال من الاحوال وتحت اي ظرف, وانه شعب صاحب حق ولم ولن يتخلى عن حقه في وطن شأنه شأن كل شعوب الارض مهما كان الثمن باهظاً, وفرض هذا الواقع على رأس اجندة كل زعماء كل دول العالم العظمى والكبرى من اقصى الشرق الى اقصى الغرب, بما في ذلك اجتماعات وقمم عربية واسلامية ودولية في كافة بقاع الارض مروراً باجتماعات نيويورك الشهر الماضي ووصولاً الى قمة شرمالشيخ الاثنين 13 اكتوبر الجاري برئاسة الرئيسين الامريكي دونالد ترامب والمصري عبد الفتاح السيسي وحضور العشرات من القادة العالميين منهم على سبيل المثال لا الحصر رئيس وزراء بريطانيا ورئيس فرنسا ورئيس وزراء اسبانيا, الرئيس التركي, العاهل الاردني, الرئيس الفلسطيني, امير قطر, الرئيس الاندونيسي, رئيسة وزراء ايطاليا, رئيس وزراء كندا, رئيس وزراء باكستان والمستشار الالماني وغيرهم, اذا كانواكل هؤلاء الزعماء وعلى رأسهم الرئيس ترامب جادين في صنع السلام عليهم إنصاف الشعب الفلسطيني وتمكينه من استعادة حقوقه المسلوبة وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير واقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني وعاصمتها القدس الشرقية وفقاً لقرارات الشرعية الدولية وعدم اجباره على تكرار رسالته.
علمنا التاريخ انه لا ينجح الأقوى دائماً وان ربح جولة او حتى جولات, بل المؤكد ان من ينجح في النهاية هو صاحب الحق والجغرافيا والتاريخ, فلا تكرروا ما قمتم به طيلة 8 عقود بالوقوف في الجانب الخطأ, وإلا ستحصلوا على النتيجة نفسها قطعاً.
جربوا هذه المرة ان تكونوا في الجانب الصحيح من التاريخ....قطعاً ستكون النتيجة مختلفة.
د. سمير الددا



.jpeg)

.jpeg)