الموسيقى في المجتمع الحساني: لغة الشرف وتدوين الجراح

في المجتمع الموريتاني التقليدي، لم يكن الحديث عن الموسيقى شأنًا ترفيهيًا أو هواية عابرة، بل كان دليلَ معرفةٍ ورمزَ مكانةٍ اجتماعية. فـ الأزوان لم يكن مجرد وسيلة تسلية، بل مدرسة أخلاقية وذاكرة جماعية تُعلِّم الفروسية والكرم وآداب السلوك. وكان من أراد أن يكون مقبولًا في أوساط النخبة، عليه أن يفهم لغة الموسيقى ووظيفتها الاجتماعية ودلالاتها الرمزية، إذ شكّل الأزوان منذ نشأته منهجًا تربويًا موازياً تُغرس فيه قيم الشهامة والعلم والذوق الرفيع.

 

ويُستشهد بمثلٍ شائع يقول: «المرابط ليس صديقًا للإيگيوي»، وكأنه يعبّر عن تعارض بين العلم الديني والفن الموسيقي. غير أن هذا القول، الذي تعود جذوره إلى صرامة العصر المرابطي في القرن الحادي عشر، يعكس أثرًا تاريخيًا أكثر مما يعبر عن الواقع. ففي الشرق الموريتاني، كان بعض المرابطين يرسلون أبناءهم إلى بيوت إيكاون لتعلّم الموسيقى، لا طمعًا في اللهو، بل لاكتساب أخلاق الكرم والفروسية (الفتوّة).

 

أما لدى القبائل الحسانية المحاربة، فكانت العلاقة بالإيگيو  علاقة سلطة ونبل. فـ المدح الشعري والغنائي كان رأس مال رمزيًّا ثمينًا يخشاه الناس بقدر ما يطمعون فيه. من قصّر في الكرم أو فشل في حفظ مقامه الاجتماعي تعرّض للسخرية واللوم، بينما كان الزواج من أسرة إيگيوية يُعدّ رمزًا للرقيّ الاجتماعي والحماية المعنوية. فقد كان الإيگيويون يملكون سلطة الكلمة: يمنحون المجد كما يمكنهم أن ينشروا الهجاء، يجمعون بين التمجيد واللدغة، في ما يشبه “السادية الثقافية” القائمة على الأذى الرمزي والإطراء المتناهي.

 

وتجسد قصة الأمير حمادي ولد سيد أحمد ولد ادليل في معركة “غابو” سنة 1831 مثالًا على تلاحم البطولة والعطاء الرمزي. كان الأمير حمادي بمفرده جيشًا كاملًا، معروفًا ببسالته وحنكته العسكرية حتى لقّبه المقاتلون بـ”خلف الواحد”، أي أنه وحده يعادل صفًا من الرجال. وفي التنظيم الحربي الحسّاني، تُسمّى طلائع الهجوم بـ”الواردة” وآخر من يغادر ساحة القتال بـ”الصادرة”، لكن حمادي لم يكن في أيٍّ منهما، بل كان جيشًا قائمًا بذاته.

 

وخلال المعركة، أصيب حمادي في ذراعه إصابة خطيرة، لكنها لم تَنل من شجاعته. كان الألم يشتد عليه ليلًا، لكن في ثقافة الفرسان، الجرح علامة مجدٍ لا يُشفى منها، لأن الألم ذاكرة والنّدبة وسام. غير أن زوجته، وقد أدركت خطر الغرغرينا، لجأت إلى الحيلة الاجتماعية الرفيعة: كلّفت إيكاون بإقناعه ببتر ذراعه، لأن الكلمة عندهم تُقال حيث تعجز الشفقة والدموع.

 

وفي صباح يوم من أيام “البوح أولاد العالية”، حين كان الأمير يستمع إلى عزف التيدينت ويشرب الشاي، حضر إيكاون باكرًا فقال لهم مازحًا: «إفطاري عادةً متأخر، ما الذي جاء بكم باكرين؟» فأجابوه: «جئنا من أجل ذراعك». فقال: «هاكوه» — خذوه. فبتر ذراعه طوعًا، وطلب أن تحضر زوجته حانة بنت سيد احمد ولد المختار  المشهد لتشهد معنى الشجاعة الحقيقية، ووضع خشبة بين أسنانه ليمتصّ الألم.

 

بعد البتر، أهدى الأمير حمادي حصانه الأصيل “كريكيبات” إلى إيكاون، تكريمًا لهم، فصار الجرح لحنًا، والدم نغمة، وخلّد الإيگيو اعلنبيت ولد حيب الله ولد اگمتار الحدث في أبيات خالدة جعلت من الذراع المبتورة رمزًا للعطاء والبطولة، ومن الجسد آلة موسيقية تحفظ الذاكرة.

 

گواتْ أريامُ كاملاتْ

فالظيگْ امنينْ ايفاتنْ

صبحُو عندُ متراجماتْ

اليومْ التيدناتنْ

 

فِتنتْ غابُو مالُو امثيلْ

اتعدْ فيها كلٍ حِيلْ

سَندْ المسلمْ ولْ ادليلْ

وسايْ المسلمْ عاتنْ

 

شگاگْ البَيّظْ من الخيلْ

والرجلِ تيجكراتنْ

امحمدْ بعدْ امنينْ طالْ

اخبيطْ العادو ما انظالْ

 

منهَ وإلِّ رفدو اگبالْ

من ذوكْ إيزنزناتنْ

نفظو فالبَيّظْ ما انشالْ

لينْ الگامُ حُفاتنْ

 

 

وفي منطقة لبراكنه، يُروى أن الإيگيو طلب مرةً من أميرٍ شجاع أن يهب قطعة من جسده ليخلّده بلحن خالد، فاستجاب الأمير هيبه ولد نغماش البركني، وقطع جزءًا من بطنه أمام الملأ، فكانت المكافأة لحناً عظيماً سُمِّي «سنييمت هيبه».

 

وتُعدّ «سنييمت هيبه» إلى اليوم من روائع الأزوان، تفتتح بمقام «إدوندي» الذي يهيّئ لسلالات لحنية لاحقة مثل «لمهبله»، «گيم» و«الرديدة». ومن هذه البذرة تفرعت ألحان متعددة أصبحت مراجع أساسية في التراث الموسيقي الحسّاني.

 

لقد حاول المرابطون يومًا إلغاء الموسيقى، لكن أحفادهم أثبتوا أن اللحن يمكن أن يُكتب باللحم، وأن الموسيقى ليست ترفًا بل ذاكرة حية ولغة للجراح وشهادة على النبل.

 

وهكذا، لم تكن الموسيقى في المجتمع الحسّاني زينة حياة، بل كانت مرآته ومدرسته وحكمه الأخلاقي؛ اجتمع فيها الفقيه والمحارب والإيگيوي في نسقٍ تربويٍّ واحد قوامه الكرم، والشرف، والبلاغة. فكانت الندبة لحنًا، والعطاء مقامًا، والجرح ذاكرةً تُعزَف على وتر من البطولة والجمال.

 

 

محمد ولد الشريف الشريف 

جمعة, 24/10/2025 - 09:38