
نشرت صحيفة El Salto الإسبانية تقريرًا موسعًا للصحفي جويل كاشيلا تورني بالتعاون مع مجلة Yemayá Revista، تناولت فيه التحولات الجارية في العاصمة الموريتانية نواكشوط على خلفية تزايد حملات الشرطة ضد المهاجرين الأفارقة العابرين نحو أوروبا.
ففي الوقت الذي تتسبب فيه حرارة الخريف المرتفعة في خلوّ شوارع المدينة نهارًا وازدحامها ليلًا، تسود «حرارة» أخرى أكثر توترًا، تتمثل – وفق التقرير – في تصاعد الإجراءات الأمنية منذ توقيع موريتانيا والاتحاد الأوروبي اتفاقًا جديدًا حول التعاون في قضايا الهجرة والحدود.
حملات تفتيش وتوقيف في الأحياء الشعبية
يرصد التقرير تكثيف الدوريات ونقاط التفتيش في أحياء سينكيم وسيزيم، المعروفة باحتضانها جاليات إفريقية متعددة. ويؤكد الصحفي الموريتاني الربيع إدومو أن هذه الحملات “تمثل واقعًا جديدًا لم تعرفه موريتانيا من قبل”، موضحًا أن “البلاد كانت لفترة طويلة فضاءً مفتوحًا ومضيافًا للأفارقة، حتى لأولئك الذين لا يحملون أوراق إقامة، لكن ذلك تغيّر جذريًا بعد الاتفاق الأوروبي”.
ويضيف أن السلطات لا تتيح إجراءات تسوية الإقامة إلا خلال فترات زمنية محددة، مما يجعل تقنين الوضع القانوني “شبه مستحيل خارج تلك النوافذ، حتى لمن يملكون الإمكانيات المادية والقانونية”.
نواذيبو… بوابة الأمل والخطر
يصف التقرير نواكشوط ونواذيبو بأنهما محطتان محوريتان في مسار الهجرة الإفريقية نحو أوروبا.
ففي حين تشكل أحياء العاصمة نقاط تجمع رئيسية للمهاجرين، تحولت مدينة نواذيبو الساحلية، المتاخمة للصحراء الغربية، إلى أبرز نقاط الانطلاق نحو جزر الكناري الإسبانية، حيث يخوض المهاجرون رحلات محفوفة بالمخاطر عبر البحر.
تعاون أمني متزايد وتمويل أوروبي
يشير التحقيق إلى أن الاتحاد الأوروبي وإسبانيا يعتمدان على سياسة “توطين المراقبة” عبر نقل ضبط الحدود إلى دول العبور مثل موريتانيا، في إطار اتفاقيات تشمل الدعم المالي واللوجستي وتبادل الخبرات.
وتتواجد بموجبها بعثات من الحرس المدني والشرطة الوطنية الإسبانية داخل موريتانيا للتنسيق مع الأجهزة الأمنية في المراقبة البرية والبحرية والجوية.
كما يعمل الاتحاد الأوروبي، من خلال مؤسسات إسبانية مثل FIAP، على إنشاء مراكز استقبال مؤقتة للمهاجرين.
ويصرّ السفير الأوروبي في نواكشوط، خواكين تاسو، على أن هذه المراكز “ليست مراكز احتجاز بل فضاءات مؤقتة لدراسة الحالات”، مع اعترافه بوجود “تجاوزات محدودة من الشرطة الموريتانية أثناء عمليات التحقق من الهوية”.
اتهامات بانتهاكات خطيرة
ينقل التقرير عن منظمة هيومن رايتس ووتش (تقريرها الصادر في 27 أغسطس 2025) توثيقها لانتهاكات جسيمة ضد مهاجرين غير نظاميين في موريتانيا، شملت الاغتصاب والتعذيب والترحيل القسري إلى دول لا ينتمون إليها، بل وترك بعضهم في مناطق نزاع شمال مالي. كما تحدثت المنظمة عن اكتظاظ مراكز الاحتجاز وسوء أوضاعها.
أصوات من الداخل: قصص إنسانية
من بين الشهادات التي أوردها التقرير قصة أمساتو فيبويوم، مهاجرة كاميرونية وصلت إلى نواذيبو عام 2000 بنية العبور إلى أوروبا، لكنها اختارت الاستقرار في موريتانيا.
تقول فيبويوم، التي أصبحت اليوم رئيسة الجالية الكاميرونية ومديرة منظمة لدعم المهاجرين واللاجئين:
“ندير مدرسة تضم أكثر من 200 طفل من مالي وغينيا والسنغال وبوركينا فاسو، لكننا لا نعرف كم منهم سيبقى هذا العام بسبب حملات الطرد المتكررة.”
كما يتناول التقرير تصاعد نسبة النساء في مسارات الهجرة، مع ما يرافق ذلك من مخاطر الاستغلال والعنف الجنسي.
وتروي “أداما” (اسم مستعار)، وهي شابة من الكونغو الديمقراطية، رحلتها القاسية من غوما إلى نواكشوط، حيث تعيش اليوم رفقة ابنتها بلا أوراق قانونية أو حماية رسمية.
يختم الصحفي الربيع إدومو حديثه قائلًا: “أوروبا لا تريد الهجرة غير النظامية، لكنها في المقابل لا تفتح طرقًا قانونية للهجرة. إغلاق الأبواب النظامية لا يوقف الهجرة بل يزيدها. إنها حركة إنسانية قديمة وستستمر، وعلى موريتانيا أن لا تتحول إلى حارس حدودٍ بالوكالة عن أوروبا".



.jpeg)

.jpeg)