من 1978 إلى اليوم: دولة غارقة في سوء التسيير وفقدان البوصلة

من الواضح أن نظام الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قد قضى بالفعل على حرية التعبير، واستغل القضاء والمؤسسات لخدمة مصالحه، كما فعل رؤساء سابقون من قبله. غير أنه يجب الاعتراف أيضًا بأن جزءًا من النخبة الموريتانية يشارك في هذا الانحدار، بدوافع مصلحية ضيقة وأطماع شخصية، مما يزيد من خضوع الشعب واستسلامه.

 

كيف يمكن لإنسان أن يدّعي تمثيل الشعب، ثم يصوّت على قوانين قمعية ويبتز من انتخبه؟

كيف يمكن لمسؤول إداري مؤتمن على أموال الشعب وممتلكاته أن يختلسها أو يهمل إدارتها؟

وكيف يمكن لمثقف أن يلتزم الصمت أمام المحسوبية والمحاباة والامتيازات غير المستحقة، وأمام الظلم، والمحاكمات السياسية، وتصفية الحسابات، وازدواجية المعايير؟

 

لأكون صادقًا معكم ومع نفسي، أقول إن معظمنا يتحمل جزءًا من المسؤولية عن هذا الواقع، لأننا صمتنا طويلًا في الماضي، وما زلنا صامتين اليوم. نسأل الله أن يغفر لنا، وأن يأتي الوعي متأخرًا خير من ألا يأتي أبدًا.

 

من هنا، أوجّه نداءً إلى الشعب الموريتاني — ولا سيما إلى المثقفين والشباب النزيه — من أجل صحوة وطنية توقف هذا الانزلاق نحو المجهول.

إنّ ذلك يتطلّب مواقف وسلوكيات مبدئية، وقبل كل شيء الوقوف في وجه أولئك الذين لا همَّ لهم سوى الإثراء بأي ثمن، حتى لو كان ذلك على حساب المال العام، ومحاربة كل من ينهب موارد الوطن، مهما كان موقعه أو انتماؤه.

 

يجب علينا أن نبادر إلى إنشاء جمعيات ومنظمات غير حكومية ومراكز أبحاث وهيئات رقابية تُعنى بالتحقيق في تصرفات هؤلاء المفسدين، وكشف هوياتهم، وتقديمهم للعدالة.

فإن كانت الحكومة صادقة في خطابها حول مكافحة الفساد، فلن يكون أمامها سوى دعم هذه الجهود بكل إخلاص؛ أمّا إن تجاهلتها، فستكون قد ألحقت الضرر بنفسها قبل غيرها.

 

لقد عانت موريتانيا من الجمود منذ عام 1978 بسبب سوء التسيير السياسي والإداري والمالي.

وكان بإمكان المليارات التي جنتها البلاد من صادراتها أن تُؤمّن احتياجات الشعب الأساسية في خمسة قطاعات على الأقل: المياه الصالحة للشرب، الكهرباء، التعليم، الصحة، والغذاء.

لكن، بدلاً من ذلك، نجد هذه القطاعات في حالة يُرثى لها، بينما أغرقتنا الحكومات في ديون خيالية ومشروعات مشبوهة وسيئة التخطيط، تضخمت تكاليفها بفعل العمولات والرشاوى التي بلغت ملايين الدولارات.

 

كفى.

لقد آن الأوان لتغيير هذا الواقع جذريًا، الآن وليس غدًا.

إن استمرارنا على هذا النهج يعني ببساطة أن موريتانيا لن تبقى كيانًا قابلًا للاستمرار، خصوصًا بعد أن تفاقم الوضع منذ عام 2019 تحت وطأة التناقضات الاجتماعية والعرقية، فضلًا عن المخاطر الإقليمية غير المسبوقة في ظل أزمات المنطقة وصراعاتها المتشابكة.

 

إمام الشيخ

إعلامي ومدير سابق للتلفزة الموريتانية 

أحد, 02/11/2025 - 21:43