
لم يكن حديث الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني ليلة البارحة في تمبدغه مجرّد خطاب محلي عابر. ما قاله هناك يتجاوز المناسبة والزمان والمكان، ويضع الدولة أمام أسئلة سياسية ودستورية من العيار الثقيل لم يُطرح مثيلها منذ التعديلات الدستورية لعام 2017.
فالحديث عن المنظومة الانتخابية، الغرفة البرلمانية الواحدة، أداء الهيئات الدستورية، وجدوى المجالس الجهوية كلها قضايا تقع في صميم بنية النظام السياسي وهيكل الدولة، وليست تفاصيل فرعية يمكن تناولها عرضًا.
في هذا التحليل نحاول قراءة خلفيات الخطاب ودلالاته، وما إذا كان يمهّد لورشة إصلاحية واسعة أو يفتح بابًا جديدًا في النقاش الوطني.
تحول في مزاج الدولة
طوال السنوات الماضية، ظلّ الحديث عن إصلاح النظام السياسي محصورًا داخل النخب الأكاديمية وبعض دوائر المعارضة. أما السلطة فكانت تُفضّل خطاب “الاستمرارية” و”الاستقرار” دون الاقتراب من جوهر الهندسة الدستورية القائمة.
لكن ولد الغزواني في تمبدغه قال بوضوح إن "النقاش حول فعالية مؤسساتنا الدستورية وحاجتنا لتطوير النظامالديمقراطي نقاشٌ طبيعي ومطلوب".
هذه هي المرة الأولى منذ سنوات التي يضع فيها رأس الدولة إعادة تقييم المنظومة برمتها ضمن “الأجندة المقبولة” سياسيًا.
حين يتساءل الرئيس عمّا إذا كان نظام الغرفة البرلمانية الواحدة قد حقّق النتائج المتوقعة بعد عشر سنوات من تطبيقه، فهو يعيد – عمليًا – فتح ملف إلغاء مجلس الشيوخ، الذي كان من أكثر القرارات إثارة للجدل في العقد الماضي.
الأسئلة التي يطرحها خطاب غزواني تشمل:
- هل أصبحت الجمعية الوطنية وحدها قادرة على ضمان التوازن والرقابة؟
- هل خسرت الدولة أحد صمامات الأمان التشريعية بإلغاء الغرفة الثانية؟
- هل أصبحت عملية التمثيل السياسي أقل تنوعًا من ذي قبل؟
هذه أسئلة تُسائل بنية النظام ذاتها، لا أداء البرلمان فقط.
من المهم أيضا أن الرئيس تحدث بصراحة عن "فعالية المجالس الجهوية وقدرتها على تحقيق التنمية المحلية بما تملكهمن صلاحيات وموارد".
في الواقع، هذه المجالس أُنشئت في 2017 كبديل جزئي لمجلس الشيوخ، وجاءت لتعزّز اللامركزية، لكنها في التطبيق العملي تواجه ثلاث مشكلات جوهرية:
- ضعف الموارد الفعلية مقابل اتساع المهام.
- تداخل الصلاحيات بين الولاية، المقاطعة، والجهة.
- غياب رؤية موحدة للامركزية داخل أجهزة الدولة.
إعادة طرح السؤال يعني أن السلطة تُقرّ بأن المشروع لم يحقق بعد تلك “القفزة التنموية” التي بشّر بها صانعوه.
الهيئات الدستورية: مؤسسات حاضرة في النص… غائبة في الواقع؟
خطاب الرئيس أعاد إلى الواجهة مؤسستين مهمتين للغاية: المجلس الاقتصادي والاجتماعي ومجلس الفتوى والمظالم.
هاتان المؤسستان، رغم أهميتهما في التجارب المقارنة، ظلّ دورهما في موريتانيا أقرب إلى الاستشارة الشكلية منها إلى التأثير الفعلي في السياسات العامة.
حين يتساءل الرئيس عن أدائهما الحقيقي، فهو يلمّح إلى ضعف التفعيل، محدودية الموارد البشرية، غياب المتابعة الحكومية لتوصيات هذه المجالس، وربما الحاجة إلى إعادة صياغة أدوارهما أو إعادة هيكلتهما
المنظومة الانتخابية: رأس الإصلاح السياسي
بذكره الانتخابات الشفافة والنزيهة وضرورة تطوير المنظومة الانتخابية، يؤكد الرئيس أن العملية الانتخابية الحالية لا تحظى بالإجماع الكامل وان هناك حاجة لتحسين الثقة في النتائج. وربما إعادة النظر في النظام الانتخابي ذاته (نسبية؟ لائحة وطنية موسعة؟ هيئة مستقلة كاملة؟ تمويل الأحزاب؟).
هذا باب واسع، وإذا فُتح، سيعيد تشكيل ميزان القوى السياسية برمته.
لماذا الآن؟ دوافع توقيت الخطاب
هناك ثلاث قراءات ممكنة لتوقيت هذا الطرح:
أ) ضغط حاجات الدولة:
الدولة تحتاج اليوم إلى هندسة سياسية أكثر تماسكًا، خصوصًا مع:
- التحولات الأمنية في الساحل
- دخول الغاز مرحلة الإنتاج
- تعقد المشهد المالي
- الحاجة لجذب استثمارات ضخمة
- وتنامي دور المجتمع المدني
ب) الاستعداد لمرحلة سياسية جديدة:
قد يكون هذه الحديث تمهيدًا لـحوار سياسي واسع او ميثاق وطني جديد أو حتى إصلاحات دستورية محسوبة.
ج) إعادة ترتيب شرعية النظام:
ان فتح ورشة إصلاحية يمنح السلطة عمقًا سياسيًا، قاعدة توافق أوسع وقدرة أكبر على امتصاص الاستقطاب.
من يستجيب للدعوة؟
التحدي الأكبر الآن ليس ما قاله الرئيس، بل كيف ستتعامل النخب السياسية مع هذا العرض المفتوح؟
هل ستخوض النقاش بجدية وملفات جاهزة؟
أم ستستغرق كالعادة في الجدل حول “نيات السلطة” بدلًا من جوهر الإصلاح؟
وهل ستكتفي المعارضة بالمطالبة بالحوار، أم ستقدم بدائل حقيقية لنظام انتخابي ومؤسسي أفضل؟
إذا بقي النقاش في مستوى المناكفات، سيضيع ما يمكن أن يكون فرصة نادرة لإعادة هندسة الدولة بهدوء.
أقلام



.jpeg)

.jpeg)