موريتانيا والسنغال: من حسن الجوار إلى التحالف الاستراتيجي

تتجه المنطقة الممتدة من الساحل الأطلسي لموريتانيا والسنغال شرقًا باتجاه وادي نهر السنغال وما يحيط به من فضاءات اجتماعية واقتصادية وأمنية، إلى إعادة تشكّل في خرائط القوة الإقليمية. فبين تراجع النفوذ التقليدي للدول الراعية في الساحل وتنامي حضور الفاعلين الجدد شرقًا وغربًا، تبدو الحاجة ملحّة إلى بناء محاور إقليمية مستقلة قادرة على إنتاج توازن ذاتي. وضمن هذا السياق، يكتسب مسار تطور العلاقات الموريتانية السنغالية بُعدًا يتجاوز حدود التعاون الثنائي، ليصبح نواة لتحالف استراتيجي جديد يعيد تحديد موقع البلدين في فضاء غرب إفريقيا الأطلسي.

 

والواقع أن ما يجمع نواكشوط وداكار اليوم هو أكثر من مجرد حدود مائية أو مصالح اقتصادية مشتركة، لكونه يرقى إلى مستوى منظومة أمن ومصير واحد تمتد جذوره من أعماق التاريخ إلى أعماق النهر والبحر؛ ذلك أن النهر الذي شكّل منذ الاستقلال حدًّا طبيعيًا بين الشعبين، قد تحوّل بفعل تحديات الأمن المائي والغذائي والمناخي إلى رابط جيوسياسي ينبغي تأطيره داخل مفهوم “الأمن المتقاطع”، وأن المحيط الذي يحتضن مشاريع الغاز العابرة للحدود بات يمثل بدوره مجالًا لإعادة بناء مكانة البلدين في الممر الأطلسي بين أوروبا وغرب إفريقيا. بهذا المعنى، يمكن قراءة التحالف الموريتاني السنغالي قيد التبلور بوصفه تحالفًا جيوسياسيًا صاعدًا يسعى إلى تجاوز هشاشة الساحل وانكفاء المراكز التقليدية نحو بناء توازن جديد تؤسسه الجغرافيا المشتركة ويرتكز رهانه على الاستقرار.

 

وعلى هذا الأساس، يصبح فهم دوافع الطرفين شرطًا لتقدير طبيعة التحالف قيد التشكل؛ فموريتانيا، الواقعة عند ملتقى الساحل والمغرب وغرب إفريقيا، تبحث عن عمق استراتيجي يضمن استقرارها الجنوبي ويمنحها سندًا مؤسسيًا في بيئة شديدة الاضطراب؛ والسنغال، التي نجحت في ترسيخ نموذج نسبي من التداول السلمي والتنمية المستقرة، تدرك أن أمنها الحدودي والطاقوي يتوقف على استقرار موريتانيا. ومن شأن التقاء هذين المسارين أن يتيح قيام محور توازن أطلسي–نهري يمكن أن يشكل نقطة ارتكاز جديدة في منطقة غرب إفريقيا التي دخلت مرحلة إعادة تشكّل بعد الانقسامات الإقليمية الأخيرة.

 

وانطلاقًا من هذا التشخيص، تتقدم هذه الورقة بمحاولة لقراءة مسار نواكشوط–داكار في ضوء التحولات الإقليمية الجارية وتفكيك الركائز الجغرافية والأمنية والاقتصادية التي تسنده، قبل تقدير جدواه في موازين القوى المتحركة حول الساحل وغرب إفريقيا الأطلسية، واستشراف ما إذا كان هذا المسار مرشحًا فعلًا لأن يتحول إلى توازن أطلسي–نهري جديد، بدل أن يبقى مجرد فصل عابر في تاريخ حسن الجوار بين البلدين.

 

 

أولًا: التحولات الإقليمية ودلالتها على فكرة التحالف

 

 

تعيش غرب إفريقيا مرحلة إعادة اصطفاف غير مسبوقة، إذ تتقاطع فيها موجات الانكفاء الغربي والتمدد الشرقي مع صعود نزعات الانعزال داخل الفضاء الساحلي، مما يجعل المنطقة تنتقل من منطق الكتل الكبرى إلى منطق محاور صغيرة مرنة. فالانسحاب المتزامن لدول تحالف الساحل من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، وتزايد الحضور الروسي والتركي والصيني والخليجي، وتراجع قدرة الأطر الجماعية التقليدية على استيعاب الأزمات، كلها مؤشرات على انقسام أعمق يعيد تشكيل خطوط النفوذ ويحوّل القرار الإقليمي إلى مزيج من الحسابات الأمنية والاقتصادية المحلية.

 

ضمن هذا المشهد المتحرك، تتقدم الشراكة الموريتانية السنغالية بوصفها أحد المسارات القليلة التي ما تزال تحافظ على حد من الاستقرار السياسي والانفتاح الاقتصادي، وتتمتع بقدرة عملية على إدارة موارد استراتيجية مشتركة من دون الانزلاق نحو الصدام أو السقوط في مستنقع الوصاية الخارجية. ولأنها شراكة تنمو في لحظة فراغ إقليمي وتستفيد من هشاشة البدائل المحيطة بها، فإنها تكتسب وزنًا إضافيًا يجعلها تتجاوز حدود التعاون الثنائي.

 

ولعل ما يمثل جوهر هذه المقاربة ليس هو تماثل القوة، وإنما تكامل الوظائف؛ فموريتانيا تمثل بوابة الأطلسي والمجال الصحراوي معًا، وهي نقطة تماس بين الساحل والمغرب وغرب إفريقيا، في حين أن السنغال تمثل مركز ثقل غرب إفريقي يجمع بين عمق ديموغرافي مستقر وبنية مؤسسية صلبة. ومن شأن الجمع بين هذين الامتدادين أن ينتج نوعًا من الاستقلالية الإقليمية المصغرة، متمثلة في قدرة بلدين متجاورين على بلورة رؤية مشتركة للأمن والاقتصاد والحدود، من دون الارتهان لمحاور الاستقطاب الدولي الذي يعصف بالساحل.

 

وما يضفي على هذا الاتجاه طابعه الاستراتيجي أنه ينسجم مع التحول البنيوي للنظام الإقليمي الإفريقي الذي يطبعه تفكك التكتلات التقليدية وبروز شبكات مصلحية عابرة للحدود، وانكماش دور الوساطة الخارجية لصالح ترتيبات ثنائية تعتمد على الثقة والاعتماد المتبادل. وفي ظل هذا التحول، يغدو بناء محور موريتاني–سنغالي راسخ استثمارًا في الاستقرار طويل الأمد، كما أنه يسد فجوة خلفتها أزمات الساحل المتتابعة ويمنح الواجهة الأطلسية لغرب إفريقيا نقطة ارتكاز جديدة تعيد تعريف موقع البلدين داخل هذه المنطقة في مرحلة ما بعد الانقسام.

 

 

ثانيًا: الركائز المفاهيمية للتحالف الموريتاني السنغالي

 

 

يستند التفكير في التحالف الموريتاني السنغالي إلى حزمة من المرتكزات الجغرافية والوظيفية التي تمنحه شرعية تسمو به عن الحسابات السياسية الظرفية، وتضعه في موقع مشروع لتحالف طويل الأمد يعيد ترتيب فضاء غرب إفريقيا الأطلسي؛ ذلك أن المسألة هنا تتجاوز علاقات التعاون العابرة والمؤقتة إلى مستوى البنية الموضوعية التي تتداخل فيها الجغرافيا مع الأمن، والاقتصاد مع الهوية الإقليمية.

 

أول هذه المرتكزات هي الجغرافيا المركبة التي تميز البلدين؛ جغرافيا تجمع بين نهر يشكل شريان حياة مشترك، وبين محيط يفتح أفقًا استراتيجيًا على العالم. فالنهر ظل عبر التاريخ رابطًا بين شعبي البلدين، ينسج علاقات السكان والتجارة والمراعي، ويخلق شبكة مصالح يصعب تفكيكها. أما المحيط الأطلسي فهو فضاء نفوذ تتقاطع فيه ممرات التجارة والطاقة والمنافسة الدولية. ويمنح التقاء الماء العذب مع الماء المالح ضمن مجال واحد موريتانيا والسنغال موقعًا جيوسياسيًا قادرًا على وصل الداخل الزراعي بالساحل البحري، وعلى دمج الأمن الإنساني بالقدرة على التموضع ضمن الخريطة الأطلسية الجديدة.

 

الركيزة الثانية هي الأمن المشترك بوصفه منظومة تتجاوز المفهوم العسكري الضيق؛ فالضفتان تواجهان تحديات معقدة تشمل: التهريب، الهجرة، الصراعات على الموارد، انتشار الجماعات المسلحة، وتغيرات مناخية تضرب سلاسل العيش. صحيح أن الحدود بين البلدين قابلة للاختراق، لكنها قابلة أيضًا للتحول إلى نطاق حماية متبادلة إذا ما تم تسييرها بمقاربة وقائية تعتمد على المعلومة والمراقبة المشتركة والاندماج المجتمعي. فـ”الأمن النهري–الساحلي” الذي يربط موريتانيا والسنغال ينبغي رؤيته على أنه أبعد من أمن حدود فقط، ليُنظر إليه كبنية ممتدة تشمل الاستقرار الاقتصادي وحماية السواحل وإدارة الموارد وإعادة بناء الثقة بين المجتمعات المحلية؛ ولذلك يصبح التنسيق المؤسسي ضرورة وجودية أكثر منه خيارًا سياسيًا.

 

الركيزة الثالثة هي الطاقة والموارد المشتركة باعتبارها محركًا للتحول الاستراتيجي؛ فمشروع الغاز في حقل تورتو/آحميم يمثل لحظة انتقال من التعاون التقني إلى الاعتماد المتبادل الهيكلي؛ حيث يتوقف أمن الطاقة في داكار على استقرار نواكشوط، ويتوقف المسار الاستثماري الموريتاني على انتظام الشراكة مع السنغال. وإذا ما استطاع البلدان تحويل هذه الثروة إلى منصة تكامل اقتصادي – بدل أن تصبح بؤرة تنافس أو استقطاب خارجي – فإنهما سيؤسسان لأول اقتصاد أطلسي مشترك في المنطقة، قادر على توجيه جزء من قراراته بدل الارتهان للأسعار العالمية أو لتقلبات الأسواق الدولية.

 

الركيزة الرابعة هي الرؤية الأطلسية المشتركة، وهي الركن الذي يرفع التحالف من مستوى التعاون إلى مستوى إعادة التموضع الإقليمي؛ فموريتانيا والسنغال تمثلان معًا مركز ثقل جديدًا في غرب إفريقيا المفتوح على العالم، وليستا حلقة تابعة لمنظومة الساحل ولا امتدادًا هامشيًا للمغرب العربي. ومن شأن هذه الرؤية أن تعيد تعريف النهر كجسر بدل استمرار النظر إليه كخط فصل، وتعريف المحيط كفضاء نفوذ مشترك بدل كونه حدًا بحريًا، كما أنها تعيد تعريف الجوار كتحالف إنتاجي بدل بقائه مجرد جوار إداري.

 

الركيزة الخامسة هي البعد المجتمعي والهوية العابرة للحدود؛ إذ لا يمكن اختزال العلاقة بين موريتانيا والسنغال في الاتفاقات الرسمية أو التنسيق الأمني، باعتبار هذه العلاقة تمتد إلى شبكة عميقة من الروابط الاجتماعية والتجارية والروحية التي تشكلت قبل الدولة الحديثة وما تزال تؤطر جزءًا كبيرًا من الحياة على جانبي النهر. ويخلق التداخل بين الجماعات والهجرات الموسمية والطرق الدينية فضاءً إنسانيًا واحدًا تتحرك داخله المصالح اليومية للسكان، بما يجعل الحدود الإدارية أقل وزنًا من الروابط المعيشية. ويمنح هذا الامتداد الاجتماعي التحالف المقترح قاعدة صلبة، لأنه يحوله من ترتيبات فوقية إلى مشروع يجد صداه في المجتمعات المحلية، ويتيح بناء سياسات مشتركة في الصحة والتعليم والتنقل وإدارة الموارد. وبذلك يتحول المجتمع نفسه إلى عنصر استقرار طويل الأمد، يعزز الثقة ويحد من هشاشة الحدود، ويمد التحالف بطاقة اجتماعية لا يمكن تعويضها بالأدوات العسكرية أو الاقتصادية وحدها.

 

الركيزة السادسة هي الدبلوماسية المتوازنة والقدرة على التموضع خارج الاستقطاب؛ فالتحالف الموريتاني السنغالي يكتسب أهمية إضافية في سياق تتسارع فيه موجات التنافس الدولي على غرب إفريقيا. فكلا البلدين يمتلك خبرة طويلة في الحفاظ على علاقات منفتحة مع الأطراف الدولية من دون الارتهان لأي محور، ويحرص على إدارة مصالحه عبر مبدأ التوازن. وهذا النمط من الدبلوماسية يمنح التحالف المقترح ميزة نوعية، إذ إنه غير موجه ضد جهة معينة ولا يتحرك داخل منطق المحاور الصلبة. وتتيح قدرة نواكشوط وداكار على الحفاظ على علاقات متوازنة مع أوروبا والولايات المتحدة والصين ودول الخليج ودول الساحل، لهذا التحالف مساحة مناورة واسعة، كما أنها تجنبه أن يتحول إلى امتداد لقوة خارجية أو إلى حلقة في صراع جيوسياسي لا يملك معايير التحكم فيه.

 

 

ثالثًا: الجدوى الاستراتيجية للتحالف ودوره في موازين القوى الإقليمية

 

 

تنبع الجدوى الاستراتيجية للتحالف الموريتاني السنغالي من موقعه عند نقطة التقاء ثلاث دوائر نفوذ تتقاطع فيها مسارات الأزمات والتحولات: دائرة الساحل بما تحمله من هشاشة أمنية، ودائرة غرب إفريقيا بما تشهده من اضطراب سياسي، والدائرة الأطلسية بما تمثله من رافعة اقتصادية ورمزية في آن واحد. ففي كل واحدة من هذه الدوائر يظل تأثير البلدين محدودًا، لكنه سيتضاعف عندما يتصرفان ككتلة واحدة قادرة على امتصاص الارتدادات القادمة من الشمال والجنوب والغرب، وعلى تحويل الجغرافيا المشتركة إلى مصدر قوة بدل أن تظل خط تماس مكشوف.

 

وفي ميزان القوى الآخذ بالتبدل بعد انسحاب فرنسا من الساحل وصعود المحور الروسي النيجري، يكتسب هذا التحالف وظيفة جيوسياسية خاصة، حيث سيشكل منطقة عازلة مستقرة بين فضائين يزداد توترهما (الساحل الذي ينجرف نحو الاستقطاب الأمني، وغرب إفريقيا الذي يواجه أزمة ثقة داخل مؤسساته الإقليمية). وضمن هذا السياق، سيبدو التعاون الموريتاني السنغالي تجاوزًا للتقارب الدبلوماسي نحو مستوى كونه حزام استقرار يربط بين شمال هش وجنوب يبحث عن صيغة حماية جماعية جديدة. ونصبح بالتالي أمام توازن ذاتي يتشكل في لحظة يتراجع فيها حضور الوسطاء الدوليين وتزداد فيها الحاجة إلى ترتيبات محلية تتمتع بمرونة أكبر وقدرة أعلى على الاستمرار.

 

ويرفد البعد الاقتصادي هذه الجدوى بعنصر مصداقية لا يقل وزنًا عن الجانب الأمني؛ فالغاز البحري، وشبكات النقل، والألياف البحرية، ومشاريع الهيدروجين الأخضر، كلها تشكل ركائز لتحول استراتيجي يسمح للبلدين بالتحرر النسبي من الاعتماد الأحادي على الشركاء التقليديين. ومع توظيف موقعهما الأطلسي كممر للطاقة واللوجستيات، يمكن لموريتانيا والسنغال أن تتحولا إلى قطب إمداد جديد في غرب إفريقيا، بما يرفع مكانتهما في حسابات القوى الكبرى التي تعيد رسم خطوط الإمداد من الخليج والمتوسط نحو الأطلسي.

 

أما على المدى البعيد، فإن قيام محور موريتاني–سنغالي راسخ سيعيد توزيع مراكز الثقل داخل غرب إفريقيا ذاتها؛ فبدل احتكار القرار من طرف عواصم كبرى مثل أبوجا أو أكرا، يبرز نموذج ثالث أكثر هدوءًا وأقل صدامية، يقوم على التكامل التدريجي وليس على منطق الزعامة. وهذا النموذج يمنح البلدين قدرة على التحرك ككتلة وسطية – لا تنخرط في استقطاب الساحل ولا تذوب في منظومات غرب إفريقيا التقليدية – ويوفر لهما مساحة مناورة أوسع في مواجهة الموجة الجديدة من التنافس الدولي على المجالين الساحلي والأطلسي.

 

 

رابعًا: نحو توازن أطلسي جديد

 

 

في ضوء ما تقدم، يتضح أن التحالف الموريتاني السنغالي يتجاوز حدود تقاطع المصالح التقليدية، ليغدو مشروعًا لإعادة تشكيل توازن أطلسي جديد في الإقليم؛ فمنطقة غرب إفريقيا تعيش لحظة تتآكل فيها الكيانات الجماعية القديمة وتتراجع فيها قدرة الأطر فوق الإقليمية على احتواء الأزمات، فيما تتصاعد الحاجة إلى محاور واقعية تنشأ من الأرض وليس من الخطابات، وتقوم على الاستقرار والثقة والقدرة العملية على الفعل. وفي هذا السياق، تبدو العلاقة بين نواكشوط وداكار مرشحة لتجسيد هذا التحول، لكونها تجمع عناصر لم تعد متوفرة إلا نادرًا في المنطقة: حدود قابلة للضبط، موارد قابلة للتكامل، مؤسسات دولة ما تزال تعمل، ونخب سياسية تدرك أن كلفة الفوضى أكبر من كلفة التنسيق.

 

وتجعل هذه العناصر من الجوار بين البلدين رأسمالًا جيوسياسيًا يتعين استثماره في بناء نموذج تحالفي مرن، لا يعزل البلدين عن شركائهما الدوليين لكنه يمنحهما قدرة أكبر على صون القرار الوطني. فالجغرافيا التي كان يُنظر إليها على أنها عبء – بين الساحل المضطرب والغرب الإفريقي المتوتر – يمكنها أن تتحول إلى مصدر قوة إذا ما تمت إدارتها ضمن إطار مؤسسي قادر على إنتاج المصالح المشتركة بدل الاكتفاء برد الفعل على الأزمات.

 

وفي زمن تضيق فيه مساحة المناورة أمام الدول الصغيرة تحت ضغط التنافس الدولي المتزايد، يمنح هذا التحالف موريتانيا والسنغال فرصة نادرة للانتقال من موقع “المنطقة الرمادية” إلى موقع الفاعل الموازن؛ أي الطرف القادر على صياغة أجندته بدل الاكتفاء بالتكيف مع أجندات الآخرين. فالتحالف الاستراتيجي المطلوب هنا ليس جدارًا دفاعيًا ضد قوة بعينها، ولا هو اصطفاف ضمن محور خارجي، وإنما هو استثمار في الاستمرارية والسيادة وسط بيئة تنزاح نحو تكتلات واقعية تنشأ من المصالح الواقعية.

 

ومن هذا المنظور، يكون الوقت قد حان لتكف موريتانيا عن النظر إلى السنغال باعتبارها جارًا جنوبيًا فحسب، لتنظر إليها كامتداد طبيعي لاستقرارها الأطلسي والنهري؛ كما أن الوقت قد حان أيضًا لتدرك السنغال أن أمنها البحري والغذائي والطاقوي يبدأ من الضفة الشمالية للنهر. وإذا ما جرى تحويل هذا الإدراك المتبادل إلى إطار مؤسسي راسخ ومستدام، فإن البلدين معًا قد يفتتحان فصلًا جديدًا في الجغرافيا السياسية لغرب إفريقيا، يعد بمزيد من الاستقرار وازدهار طال انتظاره على ضفتي النهر.

 

مركز أودغست للدراسات الإقليمية

15 نوفمبر 2025

سبت, 15/11/2025 - 08:08