
عرضت الجزائر على الجنرال اتياني، رئيس النيجر، حزمة من المشاريع التي لا يمكن قراءتها ضمن منطق التعاون الاقتصادي التقليدي، لأنها في حقيقتها تمثل عرضًا لإعادة ربط النيجر بنظام جغرافي–اقتصادي جديد، تكون الجزائر قطبه ومركز ثقله الاستراتيجي.
تشمل هذه المشاريع تسريع تنفيذ مقطع النيجر من أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يربط نيجيريا بالبحر الأبيض المتوسط من البوابة الجزائرية، ثم الشروع في استغلال حقول نفط الكافرا بحوض أغاديم بشرق النيجر، وبناء شبكات بنية تحتية مثل سكة الحديد التي ستحول أگاديز إلى ميناء بري يربط عمق النيجر بموانئ وهران والجزائر المتوسطية، إلى جانب برامج مكثفة للتكوين ونقل الخبرة وبناء المعاهد العلمية والطبية ومركز إسلامي بنيامي، إلخ..، والقيمة الحقيقية لهذه المشاريع لا تكمن في أرقامها أو تفاصيلها التقنية، بل في وظيفتها التي ستحول الجزائر من دولة متوسطية متأرجحة وربما مهزومة في قضية الصحراء إلى قوة محورية قائدة داخل المجال الساحلي.
ولا شك أن الجزائر، التي راقبت بقلق التحولات في الساحل واصطدمت حتى بدول التحالف الثلاث عقب أزمة الطائرة المسيرة المالية، ها هي بعد فترة من التوتر والقطيعة تجد في النيجر نقطة الدخول إلى هذا الفضاء الجديد، الذي يضم إلى جانب النيجر كلا من مالي وبوركينا فاسو. والواقع أن النيجر، بحكم موقعها الجغرافي المركزي، لا تمثل مجرد عضو في هذا التحالف، بل تمثل عقدته الحاسمة، بل ربما نقطة ارتكازه الفعلية.
والحقيقة، وتأكيدا لما سبق، فإن النيجر عندما تدخل في شراكة استراتيجية بهذا الحجم مع الجزائر، فإنها تفتح الباب أمام إعادة تشكيل العلاقة بين الجزائر والمجال الساحلي بأكمله، أي مالي وبوركينا فاسو كليهما، والذين يراهنون على ابتعاد النيجر عن تحالف دول الساحل وبالتالي تخلخله، واهمون بدون شك، ويتجاهلون الأسس الاجتماعية والنفسية لهذا التحالف. وبالتالي فلن يبقى التقارب بين النيجر والجزائر محصورًا في إطاره الثنائي، بل سيتوسع تدريجيًا ليشمل مالي أيضًا، في مسار قد يبدأ خلال هذا الشهر المبارك وما بعده، عبر وساطة نيجيرية صامتة، مدفوعة بمنطق الجغرافيا والمصلحة المشتركة. ومع تحقق هذا التقارب، فإن الساحل قد يتحول إلى كتلة جيوبوليتيكية جديدة، كتلة تمتلك عمقًا طاقويًا، ومجالًا جغرافيًا متصلًا، ومنافذ تصدير مستقلة؛ وفي هذه الكتلة، لن تكون الجزائر مجرد شريك خارجي، بل أحد أعمدتها البنيوية، ومصدرًا رئيسيًا لطاقتها ولحام تماسكها.
إن ما نشهده اليوم هو تقدم جزائري محسوب نحو المجال الساحلي، تقدم لا يعتمد على القوة والنفوذ العسكري أو حروب الوكالة، بل على إعادة تشكيل شبكات الطاقة والاقتصاد. وهو تقدم يحمل مفارقة لافتة، لأن الجزائر ليست دولة ساحلية، ولكنها تتحرك بسرعة لحجز موقع محوري داخل هذا الفضاء.
ولا شك أنها مفارقة عميقة. فما كنا نتمناه لأنفسنا في موريتانيا — أي صيغة تجمع بين الساحل والعمق الأطلسي على شكل “تحالف دول الساحل + موريتانيا” — نرى الجزائر تتقدم نحوه بخطوات محسوبة لصالح الفضاء المتوسطي



.jpeg)

.jpeg)