
ُحدث المراجعات الدستورية تحولات عميقة في منظومة الحكم من خلال التأثير على ثلاثة مرتكزات أساسية: توازن السلطات، وصلابة النظام القانوني، وحماية الحقوق الأساسية.
أكثر التغييرات شيوعًا يتمثل في تركيز السلطات. وتُظهر الدراسات المقارنة أن صلابة الدستور تُعد شرطًا ضروريًا لاستقلال القضاء؛ فكلما كان تعديل الدستور أكثر صعوبة، كانت حماية القضاة أقوى.
وتلجأ بعض الأنظمة الموصوفة بـ”الشعبوية” إلى توظيف المراجعة الدستورية لإدراج توجهات إقصائية في النص الأعلى، تحت غطاء الإرادة الشعبية، حيث تُستعمل الاستفتاءات أحيانًا لإضفاء الشرعية على المساس بالحريات.
ويُعد تعديل مدة الولاية الرئاسية النموذج الأبرز للمراجعات التي تُحدث تحولًا جذريًا في طبيعة الحكم. فمن خلال الحالة الفرنسية (اعتماد الخماسية) والممارسات الإفريقية (إلغاء تحديد الولايات)، يتضح أن المساس بمدة الولاية أو تجديدها يغير دائمًا طبيعة النظام السياسي.
في فرنسا، استُبدلت الولاية الرئاسية ذات السبع سنوات بخمس سنوات بموجب مراجعة 2 أكتوبر 2000، بهدف مواءمة مدة الولاية الرئاسية مع ولاية النواب (خمس سنوات) لتفادي التعايش. لكن النتيجة كانت أن الخماسية، مقترنة بعكس الرزنامة الانتخابية (تنظيم التشريعيات بعد الرئاسيات)، أدت عمليًا إلى تشكيل أغلبيات برلمانية منسجمة مع الرئيس.
وفي سياقات أخرى، حصل العكس؛ فبينما قصّرت فرنسا مدة الولاية، ألغت بعض الأنظمة القيود على تجديدها عبر مراجعات دستورية. ففي الكاميرون عام 2008 أُزيلت القيود على عدد الولايات، وصادق القضاء الدستوري – وفق النموذج الفرنكوفوني – على ذلك دون رقابة فعالة، ما جعله أداة لإضفاء الشرعية على القرار السياسي. ووقع الأمر ذاته في تشاد عام 2005. وتؤدي مثل هذه المراجعات إلى تحويل الجمهورية إلى نظام رئاسوي ذي نزعة سلطوية بإلغاء أهم ضابط زمني على السلطة.
عدم القابلية للمساس كحاجز
السؤال الجوهري هنا يتعلق بفكرة “التحصين الدستوري”. فالنقاش حول الولاية الرئاسية يتصل بحدود المراجعة ذاتها. بعض الدساتير، كألمانيا والبرتغال، تحظر المساس بالمبادئ الأساسية (الكرامة الإنسانية، الفيدرالية…). أما في فرنسا، فالشكل الجمهوري هو الوحيد غير القابل للتعديل. غير أن الإشكال يكمن في غياب رقابة فعلية على احترام هذه الحدود؛ فإذا قررت أغلبية تعديل مادة الولاية – حتى لإقرار ولاية مدى الحياة – فلن يكون هناك قاضٍ يستطيع منعها.
إن تعديل الولاية الرئاسية يعني تحديد من يحكم وكم من الزمن، وينقل منطق النظام من الاستقرار إلى منطق احتكار السلطة، بحسب النية السياسية السائدة.
الحالة الموريتانية
تُعد موريتانيا نموذجًا دالًا على هذا التوتر بين المراجعة كآلية لضبط الديمقراطية ومحاولات تجاوزها. فمراجعة 2006، التي جاءت عقب الإطاحة بالرئيس معاوية ولد الطايع، لم تُصمَّم لإدامة السلطة بل لمنع إدامتها. فقد خُفِّضت مدة الولاية من ست إلى خمس سنوات، مع حصرها في ولايتين، وأُضيف قيد صريح يمنع أي تعديل يمس تحديد الولايات (المادة 99)، وهو قيد مادي نادر في القانون المقارن.
وقد أسست هذه المراجعة لما اعتُبر “إجماعًا وطنيًا” يجعل التداول على السلطة قاعدة. وتنص المادة 99 على تقاسم حق المبادرة بالمراجعة بين رئيس الجمهورية والبرلمان، مع اشتراط توقيع ثلث النواب على أي مقترح صادر عنهم، وتندرج ضمن المواد المحصنة المرتبطة بحماية الشكل الجمهوري.
غير أن جدلًا أثير حول إمكانية الالتفاف على هذه الإجراءات عبر مواد أخرى، مثل المادة 38. وأصبحت مسألة تحديد الولايات تُنظر إليها لا كمسألة تقنية، بل كميثاق مؤسس.
اليوم، ومع الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، يعود النقاش من زاوية ثغرة في صياغة 2006؛ فالمادة 28 تحظر إعادة انتخاب الرئيس وهو في المنصب، لكنها لا تنص صراحة على منع عودة رئيس سابق بعد انقطاع. ومن هنا برز تفسيران:
تفسير حرفي: يمكن للرئيس أن يحكم ولايتين، ثم يغادر، ثم يعود لاحقًا.
تفسير مقاصدي: ذلك يتعارض مع روح تعديل 2006 الذي هدف إلى منع البقاء الطويل في السلطة.
وبذلك يتحول الجدل من قانوني بحت إلى سياسي وأخلاقي، وتصبح الحوكمة ساحة صراع بين نزعة التمدد في السلطة وذاكرة المؤسسات.
لقد نجحت موريتانيا، بخلاف أمثلة أخرى، في إغلاق باب التمديد عبر التحصين الدستوري، لكن هذا “القفل” بات يُختبر عبر التأويل. وهكذا لم تعد الحوكمة تعكس استقرار دولة قانون هادئة، بل حالة يقظة دائمة حيث تتحول نهاية كل ولاية إلى احتمال أزمة سياسية.
أحمد يزيد ديدة
Le Calame
ترجمة: اقلام



.jpeg)

.jpeg)