
قبل ثلاثة عقود، زار وفد جزائري البلاد لبحث إمكانية استيراد اللحوم. نُظمت له زيارة إلى مسلخ نواكشوط، لكن بعد عودته إلى الفندق خلت وجبته من اللحم، وكانت الرسالة أبلغ من أي تقرير.
وفي عام 2008، قُدمت ورقة تصور لإقامة وحدات إنتاج ألبان بطاقة كبيرة إلى متوسطة، فانبثق عنها لاحقًا مصنع ألبان النعمة. التجربتان تذكراننا بأن الفكرة وحدها لا تكفي؛ ما يحسم النتائج هو الجاهزية والتنظيم والقدرة على الاستدامة. وهو بالضبط ما ينطبق على مناقصة توفير مليون رأس من الأغنام للتصدير، التي تعيد طرح السؤال القديم بصيغة جديدة: كيف نوازن بين الفرصة التصديرية، والمحافظة على القدرة الشرائية للمواطن، وصون الثروة الحيوانية نفسها؟
الأرقام أولًا
تشير الإحصاءات الرسمية لسنة 2024 إلى أن عدد الأغنام يناهز 13.9 مليون رأس، وأن لحوم الأغنام تمثل أكثر من نصف إنتاج اللحوم الحمراء وطنيًا. هذه قاعدة إنتاجية معتبرة، لكنها ليست مجرد رقم إجمالي؛ بل منظومة اقتصادية واجتماعية تمس دخل المربين، وغذاء الأسر، واستقرار الأسعار.
مليون رأس يمثل نحو 7% من القطيع الوطني، وفي ظل معدل نمو سنوي يناهز 3 إلى 4%، فإن الزيادة الطبيعية الصافية لا تبلغ في المتوسط سوى نصف هذا الرقم تقريبًا. وعليه، فإن أي سحب كبير وغير متدرج قد يتجاوز الفائض السنوي ويمس المخزون المنتج، مما ينعكس سلبًا على قدرة القطيع على تعويض خسائره في المواسم التالية.
السوق المحلية والقدرة الشرائية
يبقى سعر اللحم عنصرًا حساسًا في حياة المواطن، إذ يتراوح حاليًا بين 260 و300 أوقية جديدة للكيلوغرام. أي ضغط على العرض قد ينعكس مباشرة على الأسعار، وبالتالي على القدرة الشرائية، خصوصًا للفئات محدودة الدخل. كما أن مجرد الإعلان عن صفقة تصدير كبرى قد يخلق توقعات بندرة محتملة، مما يضاعف الضغط على الأسعار قبل أن يغادر أول رأس البلاد.
صون الثروة قبل تعظيم العائد
لا بد من الاعتراف بأننا لا نعرف بعد المواصفات الدقيقة المطلوبة في الصفقة: هل يتعلق الأمر بذكور جاهزة للذبح بأوزان محددة، أم بإناث إنتاج؟ الفرق جوهري، لأن المساس بإناث الإنتاج ينعكس مباشرة على استدامة القطيع وتجديده الطبيعي، وقد نحتاج سنوات لتعويض الخلل.
ثم إن نظام الرعي التقليدي السائد، المرتبط بالأمطار والمراعي الطبيعية، لا يتيح دائمًا إنتاج أعداد كبيرة من الحيوانات بمواصفات ذبح متجانسة ومتحكم فيها. فجودة الحيوان ووزنه وحالته الصحية تتأثر بشكل كبير بالحالة الرعوية والميزان العلفي. لذلك، فإن تلبية طلب كبير بمواصفات دقيقة ليست مجرد مسألة أرقام صماء، بل هي اختبار لقدرة القطاع على التنظيم وهيكلة الإنتاج وفق معايير السوق الدولية.
من الصفقة الظرفية إلى البنية الدائمة
الفرصة الحقيقية لا تكمن فقط في بيع مليون رأس، بل في بناء منظومة قادرة على تصدير قطعان بالمواصفات المطلوبة بشكل منتظم ومستدام. وهذا يتطلب تطوير بنية تحتية شاملة تشمل مراكز تجميع، ومحطات تسمين، وعربات نقل أغنام، وخدمات بيطرية ملائمة، ونظم تتبع وضبط جودة، إضافة إلى مسالخ حديثة مطابقة للمعايير الدولية، وجهد دبلوماسي واقتصادي لفتح قنوات تسويقية مستقرة وموثوقة.
وعند توفر الشروط أعلاه، يصبح التصدير رافعة حقيقية لرفع دخل المربين، وتحسين القيمة المضافة محليًا، وفتح أسواق مستقرة في الدول الشقيقة والصديقة، بدل أن يكون استجابة ظرفية لطلب عابر قد يترك السوق المحلية تعاني من تداعياته لسنوات.
الخلاصة: التوازن هو الرهان
موريتانيا تمتلك ثروة أغنام معتبرة، لكنها ثروة ينبغي صونها وتنميتها قبل التوسع في تسويقها. فحماية القدرة الشرائية للمواطن، وضمان استدامة القطيع، وبناء منظومة تصدير محترفة ليست أهدافًا متعارضة بل مترابطة. والأكثر واقعية هو التعاطي مع الصفقة بمنطق الاستجابة الجزئية المرحلية بدل الالتزام برقم إجمالي دفعة واحدة، بحيث تُلبى الكميات وفق ما تسمح به وفرة المراعي، واستقرار الأسعار، والالتزامات الإقليمية، وقدرة المنظومة البيطرية واللوجستية على المواكبة. بذلك يصبح الرقم النهائي حصيلة طبيعية لمعطيات ميدانية حقيقية، لا هدفًا مسبقًا يُفرض على بنية إنتاجية تقليدية وحساسة.
إذا كانت المناقصة تفرض على المُورِّد توفير مليون رأس من الذكور الموجهة للذبح بالمواصفات العالمية، فلن نستطيع أصلًا المشاركة فيها. أما إذا كانت تضم إناثًا وفئات مختلفة، فالأمر يحتاج إلى دراسة معمقة لمعرفة انعكاساته المحتملة. ولعل أفضل السيناريوهات هو تصدير حصة بحدود 100 ألف رأس، إذا كانت الصفقة تسمح بذلك.
المهندس: الهيبة سيد الخير



.jpeg)

.jpeg)