
قبل يومين أو ثلاثة، عندما كنت في سفارة إيران لتسجيل كلمة في سجل العزاء المفتوح بعد اغتيال المرشد الراحل علي خامنئي، لفت انتباهي، بينما كنت هناك، حديث بعض الشخصيات المتحمسة إلى القائم بالأعمال في جانب من القاعة، وهم يمجدون ما تقوم به إيران وكيف أنها ترفع راية الجهاد بعد أن تقاعس المسلمون، وأنه لا غرو: “فأنتم أهل سلمان الفارسي”.. وكلام آخر من هذا القبيل.
هذا المقال عن جيوبولتيك الإسلام ودور إيران في نشأته وصياغته جاء على خلفية ذلك الحديث الذي سمعته، لأنه من الضروري، بالنظر إلى مأزق الفهم التقليدي السطحي للإسلام وهو يحاول استيعاب معركة كبيرة ومعقدة يبحث فيها لإيران عن مصداقية من التراث الإسلامي يراها ناقصة. من الضروري إذن أن نثير اليوم موضوع جيوبولتيك الإسلام كمجال جديد وكأداة لتفسير السلوك الإسلامي السيادي، لأن إيران لا تستخدم الإسلام كدعوة أو جهاد اكتساحي، بل كطاقة حضارية للتأثير في توازنات القوة العالمية. وجيوبولتيك الإسلام الذي انفردت بتطويره لا ينطلق من ثنائية مسلمين مقابل كفار، بل من ثنائية المستضعفين مقابل المستكبرين، وهي العبارة المترددة بشكل رئيسي ومكثف في خطابات الإمام المؤسس آية الله الخميني. وهي ثنائية، إلى جانب كونها ذات جذر إسلامي واضح، إلا أنها فتحت أمام إيران باب الأحلاف والتعاون مع غير المسلمين، وأكسبها ذلك إشعاعًا قويًا حتى خارج المجال الإسلامي، وجعل منها حالة فريدة في ممارسة جيوبولتيك الإسلام.
وليس هناك تأكيد حول ما إذا كان جيوبولتيك الإسلام سيفرض نفسه في المستقبل كمجال وكفرع من فروع المعرفة الإسلامية القائمة، ولكن المؤكد أن إيران تمثل حالة فريدة في سياق هذه الممارسة، فهي الدولة الوحيدة في العالم الإسلامي التي يمكن القول إنها تمارس جيوبولتيكًا إسلاميًا بشكل واضح. فحتى الدول الإسلامية الكبرى مثل السعودية وتركيا، رغم مركزيتهما وتراثهما، إلا أنها دول تعمل ضمن النسق الليبرالي الغربي وتتماشى مع توازنات القوى القائمة، غير متجاوزتين بالإسلام حدود التأثير الناعم داخل العالم الإسلامي ذاته، دون أن تتخذا منه رافعة استراتيجية في بناء التحالفات وتحصين السيادة كما فعلت إيران. وحتى تجربة مصر أيام عبد الناصر، رغم قوتها التاريخية وتأثيرها الكبير في العالم، إلا أنها مارست نوعًا من جيوبوليتيك المكان والموقع، وكان مشروعها قوميًّا عربيًّا لم يدخل الإسلام في حسابات القوة والسيادة، ولا يهمنا هنا أسباب ذلك.
الإسلام في التجربة الإيرانية انتقل من مجال التأطير الروحي والخصوصية العقدية للفرد والمجتمع إلى مجال السيادة كنموذج حضاري فاعل داخل توازنات القوى العالمية، وكطاقة من الطاقات المحركة للجغرافيا السياسية. وربما لعبت تحولات النظام الدولي دورًا حاسمًا في هذا، إذ ربما لولا اللحظة التي أعقبت الحرب الباردة، حين طُرحت فرضية نهاية التاريخ بوصفها إعلانًا لانتصار النموذج الليبرالي كخاتمة حضارية نهائية، ربما لما نشأت الحاجة إلى بروز نماذج حضارية مضادة تعيد فتح التاريخ من جديد. ففي مواجهة هذه الأطروحة ظهرت مشاريع حضارية كبرى رافضة لهذا التصور مثل روسيا والنموذج الأوراسي والصين والهند، ومعها برزت إمكانية الحديث عن جيوبوليتيك الإسلام بوصفه تعبيرًا عن دخول الإسلام كطاقة حضارية سيادية إلى المعترك تسعى إلى تثبيت موقعها داخل عالم يتجه نحو تعددية الأقطاب.
لم يكن هذا التحول مجرد تطور نظري في علاقة الدين بالسياسة، بقدر ما هو إعادة تعريف موقع الإسلام داخل المجال الدولي كإطار حضاري قادر على إنتاج دولة وسياسة واستراتيجية بعيدًا عن الهيمنة المعنوية للمنظومة الليبرالية الغربية، أو بمعنى أكثر وضوحًا إدخال المرجعية الإسلامية في حسابات القوة والسيادة والتحالفات والصراعات والتوازنات الإقليمية والدولية، متفاعلًا مع المشاريع الجيوسياسية الأخرى في العالم، سواء تلك التي نشأت في الفضاء الأوراسي أو تلك التي تعكس صعود آسيا، في سياق نظام دولي متعدد المرجعيات يرفض فكرة الهيمنة الأحادية التي بشّر بها أنصار نهاية التاريخ.
ولهذا فإن قراءة الدور الإيراني باعتباره مجرد تكرار لإحدى لحظات الصراع العسكري التي عرفها التاريخ الإسلامي — سواء في زمن الفتوحات أو في سياق المواجهات العقدية — تبقى قراءة قاصرة عن فهم طبيعة اللحظة الراهنة. فإيران اليوم تتحرك ضمن مشهد دولي أوسع تتواجه فيه نماذج حضارية مختلفة متحدة ضد الهيمنة الليبرالية الغربية التي سعت منذ نهاية الحرب الباردة إلى تعميم نموذج ثقافي وسياسي واحد على العالم.
في هذا السياق إذن، وفي ضوء هذا التصور، يمكن مناقشة علاقة الأمر بالجهاد: هل بالإمكان اعتبار إدخال المرجعية الإسلامية في معادلة السيادة والهوية الحضارية، وبالتالي مواجهة النزعة الساعية إلى تسطيح العالم وصهره في قالب ثقافي وسياسي بلا خصوصيات، هل يمكن وصف ذلك بالجهاد؟ هل مواجهة الصهاينة جهاد؟ هل رفض الصيغ الاحتوائية التي تُطرح أحيانًا تحت لافتات توفيقية عابرة للدين والخصوصية الحضارية مثل “الإبراهيمية”، والتي هي طبعًا إحدى تفريعات فرضية نهاية التاريخ، هل مواجهة ذلك جهاد؟
على كل حال، هذا هو ما كانت تقوم به إيران منذ عقود، قبل أن تضطر أخيرًا إلى السلاح والقتال دفاعًا عن و



.jpeg)

.jpeg)