
أخي الوزير الأول، لا بد أنك تقرأ، ولو نزرًا، بعضَ لغو الكلام حول بعض تخبطاتك في تسيير الشأن العام. إذن، خذ مني هذا الهذيان حول ما أسمّيه “ضريبة الفوكال”. و”لعلك باخعٌ نفسَك”، ومُهلكُها، إن أنت لم تستفد من تاريخ الضرائب الغريبة، وما أسفرت عنه من ثورات، بعضها هدّام، عاصف، وماحق.
قبل البدء في ما ستعتبره هراءً، أرجوك أن تعاملنا بمثل ما عامل به القيصر الروسي، بطرس الأعظم، شعبَه بخصوص “ضريبة اللحية”. كان بطرس الأعظم يكره اللحية كرهًا شديدًا، تمامًا مثلما تكره أنت الهواتف النقالة. وكان يخيّر حاملي اللحية، من مواطنيه، بين دفع ضريبة سنوية عن لحاهم، أو حمل شارة مكتوب عليها: “إن لحيتي ركيكة”. هلا سمحتَ لكل مواطن، وأنت الوزير الأول ذو الصلاحيات الياجوجية، بأن يحمل شارة كُتب عليها: “إن هاتفي ركيك”، بدلًا من دفع ضريبة 32% عن فوكالات كثيرًا ما تُستخدم للاطلاع على أحوال الأسرة أو الأبناء المغتربين؟.. لا تقبل، سيادة الوزير الأول الموريتاني، أن تكون أقل رحمة من القيصر الروسي. تلك، لعمري، سقطة سافلة من لدنك، وجريرة لا تُغتفر لمثلك.
وزيرَنا الأول، هل سمعتَ، في حياتك، عن ضريبة الملح؟.. لا بد أنك سمعت بها، وأنت المولع، الكلِف، المشغوف، المُوَلَّه بالجباية والمكوس. تذكّرْ إذن أن “ضريبة الملح” كانت إحدى أغرب الإتاوات في تاريخ البشرية. طبقتها بعض الإمبراطوريات والدول على رعاياها، فكانت نتائجها جد وخيمة. مفاد هذه الضريبة أن من واجب المواطن، كرهًا، أن يشتري نصيبًا من الملح الموجود في خزانة الدولة أو في ضيعات الإقطاعيين وكبار التجار. كانت الإمبراطوريات والدول تموّل حروبها ولهو أباطرتها وحكامها من تلك الضرائب المفروضة على كل أسرة، حتى ولو لم تكن بحاجة إلى الملح. غير أن ضريبة الملح كانت كارثية على تلك الحكومات، وكانت فتحًا مبينًا للشعوب الضحية. إذ كانت سببًا في سقوط الإمبراطورية الصينية، وكانت واحدًا من أسباب اندلاع الثورة الفرنسية بعد أن عانى منها الشعب الفرنسي منذ العصور الوسطى، كما أدت، في الهند، إلى بروز ظاهرة الزعيم الثائر غاندي الذي قاد حراك التحرر من الاستعمار البريطاني، وكان سببًا في “الثورة الحقوقية” لمارتن لوثر كينغ بعد أن تأثر بفلسفته ونهجه النضالي المسالم.
سيادة أو سماحة أو معالي أو دولةَ الوزير الأول، إننا، كحقوقيين، يلتهمنا الخوف من أن تُطبِّق في بلادنا ضريبة الإباق أو إتاوة التحرر من الرق كما كان معروفًا في الدولة الرومانية القديمة. لعلك تعلم، وأنت المفترض فيه أنه العلّامة البارع العارف بتاريخ الضرائب، أن الدولة الرومانية كانت تطبق ضريبة يدفعها الشخص لمجرد أنه لم يعد عبدًا. كان على العبد الذي تحرر، لأي سبب، أن يمر على مصالح تحصيل الضريبة لتحدد سعره في السوق، ومن ثم يدفع للحكام 10% من ذلك السعر كشرط “قانوني” لتحرره. إنها مصيبة شنيعة ونكبة غير مسبوقة، نرجو النجاة منها في مسارنا الحقوقي المتعثر.
لا أخالك، سيادة الوزير الأول، إلا قرأت قليلًا عن “الضريبة على الرأس”، وهي ضريبة يدفعها كل شخص عن نفسه، أي أنها ضريبة على الوجود ذاته، لا علاقة لها بالمال والعائدات، يدفعها المواطن فقط لأنه موجود وحي يرزق. ولعلك لا تجهل أن هذه الضريبة، الأغرب قليلًا من ضريبة الفوكال، طبقتها إنكلترا خلال القرن الرابع عشر لتمويل حروبها، لكنها أدت، بعد تراكم الأزمات المنبثقة عنها، إلى احتجاجات تصاعدت بشكل لافت، وانبجست عنها ثورة الفلاحين الشهيرة (سنة 1381). ولا شك أنك لا تسعى، حسب البديهي والظاهر، إلى تفجير “ثورة الفوكال” في بلاد تحيط بها ظروف مضطربة وتعيش أوضاعًا صعبة. كما أنك لن تكون من البلادة إلى درجة تسوق معها نفسك إلى حتفك السياسي. وأنت على دراية تامة بأن رئيسة الوزراء البريطانية، السيدة مارغريت تاتشر، فرضت نفس الضريبة على شعبها في أواخر القرن العشرين، ما أدى إلى أحداث شغب عارمة وفوضى هدّامة كانت السبب المباشر لاستقالتها سنة 1990. فلا تنسَ أنها كانت تُلقب بـ”المرأة الحديدية”، غير أن “الحديد” لم يستطع الثبات في وجه الحشود الغاضبة. فالحذر، الحذر!..
وأخيرًا، كي لا أطيل عليك بعموميات معتوهة، أرجو أن تعود إلى سجلّ تاريخ النكبات المنبثقة عن الضرائب الشريرة والآثمة، فقد قلبت دولًا رأسًا على عقب، وأسقطت حكامًا وجبابرة، وحركت غضب أكثر الشعوب استكانة ومسالمة، فلا تغتر، سيّدي!



.jpeg)

.jpeg)