
إن الجدل الدائر حول إصلاح تخليص الهواتف المحمولة جمركيًا لا يكشف مجرد خلاف تقني، بل يعكس لحظة حقيقة سياسية. فخلف هذه المسألة الضريبية التي تبدو قطاعية في ظاهرها، يبرز سؤال أعمق يتعلق بقدرة الدولة الموريتانية على إعادة تعريف علاقتها بالاقتصاد والمجتمع. ففي بلد تطورت فيه الأنشطة الاقتصادية طويلاً داخل مساحات الاقتصاد غير الرسمي، فإن أي محاولة لإدخالها في الإطار الضريبي تمس فورًا توازنات اجتماعية حساسة. لذلك لا تُعد الجباية مجرد أداة مالية للدولة، بل تصبح مرآة للعقد الضمني الذي يربط الدولة بالمواطنين.
تعيش موريتانيا اليوم مرحلة انتقال هادئة. فعلى مدى عقود، اعتمد توازن المالية العامة بدرجة كبيرة على الموارد الخارجية أو الموارد الاستخراجية. أما اليوم، فقد حان الوقت للدولة لتعزيز مواردها الداخلية وتوسيع قاعدتها الضريبية. وكل اقتصاد يسعى إلى السيادة المالية لا بد أن يمر، عاجلًا أم آجلًا، بهذه المرحلة. غير أن هذا التحول يصطدم بواقع بنيوي يتمثل في أن جزءًا كبيرًا من الحيوية الاقتصادية في البلاد ما يزال يعتمد على قنوات غير رسمية، تؤمّن مصدر عيش لآلاف الأسر وتسهّل الوصول إلى التكنولوجيا والسلع الاستهلاكية.
في هذا السياق، لا تقتصر القضية على مسألة الضريبة في حد ذاتها، بل تتعلق أساسًا بالعدالة الضريبية. فالإصلاح الضريبي لا يكتسب الاستدامة السياسية إلا عندما يشعر المواطنون بأن الأعباء موزعة بعدل. فإذا أحس الفاعلون الأكثر تواضعًا بأنهم أول من يتعرض لآثار إدخال النشاط في الإطار الرسمي، بينما تبدو قطاعات أخرى من الاقتصاد بمنأى عن الرقابة الضريبية، فإن الإصلاح يفقد فورًا شرعيته الاجتماعية. عندها تتوقف الضريبة عن أن تُفهم كأداة للتضامن الوطني، لتتحول في المخيال الجمعي إلى مجرد آلية للضغط الإداري. ولهذا فإن أي انتقال ضريبي هو في الوقت نفسه انتقال سياسي، يتطلب ليس فقط أدوات تقنية فعالة، بل أيضًا جهدًا توعويًا عامًا يشرح معنى الإصلاحات ووجهة الموارد المحصلة.
فالضريبة لا تُقبل إلا عندما تُفهم، وعندما تكون جزءًا من وعد موثوق بخدمات عمومية أفضل، وبنى تحتية متطورة، وتقدم مشترك. ومن دون هذا البعد القائم على الثقة، قد تصطدم الجباية بمقاومة صامتة من مجتمع لم يتماهَ بعد بشكل كامل مع مؤسساته. لذلك ينبغي قراءة الإصلاح الحالي على حقيقته: فهو ليس مجرد إجراء قطاعي، بل أحد الاختبارات الأولى لعقد ضريبي جديد بين الدولة والمجتمع.
وفي العمق، فإن السؤال المطروح على موريتانيا يتجاوز مسألة الضرائب نفسها، ليلامس تساؤلًا أكثر جوهرية:
هل يمكن للدولة أن تحول تدريجيًا الالتزام الضريبي إلى فعل من أفعال المواطنة؟
منصور لي



.jpeg)

.jpeg)