العلاقات الموريتانية المغربية وذباب الفتنة

منذ فترة ليست بالقصيرة ونحن نتلقى، بكثير من الاستغراب والاستهجان، سيلا من الشتائم ورسائل الاستهزاء والتنمر، من طرف الذباب الإلكتروني المغربي، موجها بدون سبب واضح ضد بلدنا.

 

لقد لاحظنا ذلك في البداية بقدر من التسامح واللامبالاة، على أمل أن يرعوي هؤلاء أو أن يكون منهم رجل رشيد لعله ينصحهم ويجزرهم عن التمادي في غيهم.

 

لكن يبدو أن ترفعنا عن النزول إلى قاع المهاترات لم يزد هؤلاء إلا تماديا في الإساءة وإمعانا في الغي.

 

واليوم استغل أحدهم، وهو المدعو:

Mahmoud Harouak

(انظر المرفق)

 

صورا ومقطع فيديو لمواطنين موريتانيين وهم يظهرون تعاطفهم مع دولة مسلمة تتعرض لعدوان صهيوني أمريكي، شأنهم في ذلك شأن كثير من الشعوب الإسلامية التي خرجت للتظاهر في شتى أنحاء العالم تضامنا مع إيران، بما في ذلك التظاهرات التي خرجت في عدة مدن مغربية، دون أن يكون في ذلك بالضرورة موقفا رسميا لبلدانهم من هذه الأزمة.

 

لقد استغل هذا المدون المغربي أحد الفيديوهات المنشورة على شبكة الإنترنت لينضم إلى حملة إساءة واسعة ومتواصلة، زاعما حدوث اختراق إيراني في بلادنا، محاولا بذلك استمالة الولايات المتحدة وإسرائيل ومستهدفا تسميم علاقاتنا مع دول عربية شقيقة وصديقة؛ وذلك لحاجة في نفسه. لكن الولايات المتحدة ودول الخليج العربي على علم تام بزيف مثل هذه الدعاية وبكذبها السافر.

 

فقد أعلنت الجمهورية الإسلامية الموريتانية، في بيان رسمي أصدرته مباشرة بعد التطورات العسكرية في الشرق الأوسط إثر الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، عن إدانتها الشديدة للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية الشقيقة (المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ودولة الكويت، ودولة قطر، ومملكة البحرين، والمملكة الأردنية الهاشمية، وسلطنة عمان، والعراق)؛ وهو ما عبر عنه رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني خلال اتصالات هاتفية مع قادة هذه الدول، والذين أعربوا بدورهم عن عظيم التقدير لعلاقات الأخوة التاريخية بين بلدانهم والجمهورية الإسلامية الموريتانية.

 

لقد مضى ذلك المدون في كذبه وتلفيقه إلى حد القول بأن موريتانيا منشغلة “بترتيب طوابير نخبها وقبائلها أمام عتبات السفارة الإيرانية”، زاعما بأن “المخابرات الخارجية المغربية” لا تقرأ في ذلك المشهد “فلكلورا سياسيا”، بل ترى فيه “نذر زلزال جيوسياسي يضرب الخاصرة الرخوة للمغرب”، وأن طهران لا تبني قواعدها بالإسمنت أولا، بل بهدم الوعي وتسميم الولاءات.

 

والحق أنه ينطبق على هذا الكاتب المأجور مثلنا العربي المأثور: “رمتني بدائها وانسلت”، وأن “طوابير القبائل والنخب” التي يتحدث عنها ليست أكثر من أشخاص قلة وجهات سياسية محدودة جدا يكفل لها الدستور والقانون، في بلد ديمقراطي تعددي، حق التعبير وحرية التظاهر والاحتجاج.

 

وكما نسي أو تناسى هذه الحقيقة، فقد نسي أو تناسى حقيقة مهمة أخرى، وهي أن موريتانيا دولة مستقلة كاملة السيادة، لا تشكل ولم تشكل قط خاصرة صلبة ولا رخوة لأي بلد آخر، وهي في فضائها الإقليمي من الدول القليلة التي تنعم بالاستقرار والأمن، وذلك بشهادة الجميع وأولهم الولايات المتحدة، التي يحاول الكاتب المأجور تسويق كذبه لها لعل وعسى.

 

وهنا ينبغي تذكير هذا “المأمور” بأن المحافظة على الممر الوحيد لبلاده نحو أفريقيا (موريتانيا)، كما اعترف بذلك، لن يكون من خلال الإساءة والتحريض والتهديد، بل باحترام السيادة والاستقلال والمصالح المشتركة، بما في ذلك التبادلات التجارية اليومية المتزايدة، والتسهيلات الموريتانية لصالح التجارة المغربية الأفريقية.

 

لأن أي تصرف طائش تجاه بلادنا ستكون نتيجته المباشرة إغلاق الحدود البرية وإغلاق الأجواء في وجه أكثر من 140 رحلة للخطوط الملكية المغربية تعبر الأجواء الموريتانية أسبوعيا باتجاه دول غرب ووسط أفريقيا، فضلا عن أنه سيمثل نهاية حلم “مشروع أنبوب الغاز المغربي النيجيري”.

 

فهل يدرك النافخون في كير الفتنة والممعنون في الإساءة إلى موريتانيا حجم المصالح التي يمكن أن يتسببوا لبلادهم في خسارتها وتعطيلها؟

 

من المؤكد أن هؤلاء، وهم يتحدثون عن “الرمال والجيرة”، يجهلون أن هذه الرمال ظلت على الدوام مقبرة للغزاة والطامعين والمستكبرين؛ ففيها دفن رجال شنقيط الشجعان قائد الحملة الفرنسية اكزافي كبولاني، والبطل القومي الفرنسي الرائد مانجاه، ونجل الرئيس الفرنسي الملازم ماكماهون، وغيرهم كثير.

 

أما الجيرة التي تحدث عنها الكاتب المأجور فإن إطارها الرسمي والقانوني هو الاتفاقية الموقعة في الرباط يوم الرابع عشر من إبريل 1976 بين الجمهورية الإسلامية الموريتانية ممثلة في وزير خارجيتها المرحوم حمدي ولد مكناس والمملكة المغربية ممثلة بوزير خارجيتها المرحوم أحمد العراقي، والمصادق عليها بظهير ملكي منشور في الجريدة الرسمية المغربية رقم 3311 مكرر بتاريخ 16 إبريل 1976.

 

وهذه الاتفاقية، التي لم تلغها اتفاقية أخرى حتى الآن، تعطي لموريتانيا السيادة الكاملة على وادي الذهب (تيرس الغربية).

 

إن النخب الموريتانية على إدراك تام بمرامي الحملة الحالية وأهدافها، خاصة في ظل المفاوضات الجارية حول مستقبل الصحراء الغربية، فيما يتشبث الموقف الرسمي الموريتاني بمبدأ الحياد الإيجابي وبدعم أي حل متفق عليه من قبل الطرفين، ويضمن الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية الموريتانية، رغبة في الحفاظ على الوئام المغاربي، بعيدا عن ذباب الفتنة.

 

محمدن آكاه

كاتب صحفي 

أحد, 15/03/2026 - 19:06