
في خضم التوترات المتصاعدة في الخليج، طرح إيمانويل ماكرون قبل أيام مبادرة لحل أزمة مضيق هرمز، تتمثل في إنشاء ائتلاف دولي لتأمين الملاحة في هذا الممر الحيوي. وتقوم الفكرة على تدويل الحماية البحرية عبر إطار جماعي، يذكّر بنموذج الإشراف الأنغلو-فرنسي على قناة السويس قبل تأميمها سنة 1956.
والنقطة الجوهرية هنا ليست في مضمون المبادرة ولا قابليتها للتطبيق، بل في ضعف جاذبيتها ورونقها السياسي. فقد اعتاد الرئيس الفرنسي ماكرون، خلال السنوات الماضية، إطلاق مبادرات متكررة مع كل أزمة كبرى، من أزمة مرفأ لبنان إلى أوكرانيا وليبيا، ومن الأزمة في الساحل الإفريقي إلى ملفات الطاقة. ورغم الطابع الطموح والتوقيت الجيد لهذه المبادرات، فإنها نادرًا ما تترك أثرًا فعليًا في مسار الأحداث، لدرجة أن ماريا زاخاروفا عبّرت مؤخرًا عن هذا المعنى بسخرية واضحة، حين قالت تعليقًا على مبادرة مضيق هرمز إن ماكرون ملأ الساحة الدولية بمبادرات لا تجد صدى حقيقيًا.
والواقع أنه، وفيما يعنينا بشأن خلفية هذه المبادرات، أن فرنسا لا تكتفي بتسجيل حضورها الدولي عبر هذه التحركات، بل تستثمر الزخم الذي تولده أيضًا لاستعادة شبكات نفوذها، خاصة في إفريقيا. ففي ذروة الاهتمام الإعلامي بالأزمة، يتم استدعاء بعض القادة الأفارقة، خصوصًا أولئك الذين لا يرون قوة في الدنيا غير فرنسا، ولا مركز ثقل سياسيًا في العالم غير باريس. وهؤلاء يُستدعون في أجواء هذا التحرك الفرنسي لعقد لقاءات بروتوكولية، لتمرير ترتيبات عملية، وتفاهمات اقتصادية، أو إعادة صياغة أدوار إقليمية ضمن الرؤية الفرنسية. وفي الوقت نفسه، يُعاد توظيف هذه اللقاءات إعلاميًا لإظهار أن فرنسا لا تتحرك منفردة، بل تمتد خلفها كتلة إفريقية، إلى جانب رصيدها الأوروبي طبعًا.
ومؤخرًا وصفت الصحافة الفرنسية بلدنا بأنه آخر حليف موثوق لفرنسا في منطقة الساحل، وهذا توصيف مقلق، لأنه يضعنا أمام تحديات غير مطمئنة، إذ يكشف ضمنيًا أننا أصبحنا نقطة التشبث الوحيدة الباقية لفرنسا، التي لا يمكن المساومة حولها، والتي ربما تُستخدم لاسترداد ما تم فقده.
مبادرة هرمز إذن متعددة الأبعاد والقراءات، فهي تندرج ضمن هذا النمط؛ إذ لا تعكس تحولًا في موازين القوة، ولا تقوم على قدرة فرنسية مستقلة لتأمين المضيق، وإنما تمثل محاولة للتموضع داخل مشهد تقوده قوى أخرى، في مقدمتها الولايات المتحدة وإيران والصين وروسيا.
لكن المشكلة أن تكرار هذا الأسلوب من شأنه أن يضعف المصداقية مع الوقت. فكل مبادرة لا تُترجم إلى نتائج ملموسة تُفقد ما سيأتي بعدها من مبادرات قيمته ومصداقيته، وتحوّل الحضور الدبلوماسي إلى مجرد زخم إعلامي سريع الذوبان.



.jpeg)

.jpeg)