
في النقاش الدائر حول مكافحة الغلو والتطرف في بلادنا، كثيرًا ما يتم التركيز على ما بعد وقوع الانحراف: برامج إعادة التأهيل، والمراجعات الفكرية، وإعادة الإدماج الاجتماعي. غير أن هذا التركيز، رغم أهميته الجزئية، قد يُخفي حقيقة أساسية لا يمكن تجاوزها؛ وهي أن المعركة الحقيقية تُحسم قبل أن يبدأ الانحراف، لا بعده.
إن التجربة العملية في العديد من السياقات تُظهر أن الوقاية هي الخط الدفاعي الأول والأكثر فاعلية واستدامة. أما إعادة التأهيل، فهي بطبيعتها معالجة متأخرة، تأتي بعد أن يكون الضرر قد وقع بالفعل، وبعد أن يكون المجتمع قد دفع كلفة بشرية وأمنية باهظة.
الوقاية أولى من العلاج
لا ينشأ التطرف في فراغ اجتماعي أو فكري، بل يتغذى على مجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها ضعف التكوين المعرفي، وهشاشة الوعي الديني، وغياب النقاش الفكري الرصين، إضافة إلى استغلال فترات الاضطراب الاجتماعي والاقتصادي لدى فئة الشباب. كما أن منابع الإرهاب لا تقتصر على الغلو والتشدد الديني وحده، بل تمتد أيضًا إلى انتشار البطالة وتدهور القيم الأخلاقية والاجتماعية وعدم ملاءمة بعض السياسات العامة، بما يهيئ بيئة خصبة للانحراف نحو العنف وسائر السلوكيات المحظورة.
ومن هذا المنطلق، يصبح الاستثمار في التعليم والحكم الرشيد، وتعزيز التكوين الديني المتوازن، وتوسيع فضاءات الحوار الفكري، ركيزة أساسية في تجفيف منابع التطرف. فالوقاية هنا ليست شعارًا، بل هي سياسة استباقية ذات طابع أمني وتنموي بامتياز، لأنها تمنع تشكل الخطر بدل انتظار وقوعه، وتحصّن المجتمع قبل أن يضطر إلى مواجهة نتائج الانحراف وتكاليفه الباهظة.
في المقابل، ينبغي النظر إلى برامج إعادة التأهيل بواقعية صارمة؛ فهذه البرامج لا تعالج السبب الجذري للمشكلة، بل تتعامل مع نتائج الانحراف بعد وقوعه. ولذلك، فإن التعويل الزائد عليها قد يخلق تصورًا غير دقيق مفاده أن المجتمع قادر دائمًا على إصلاح ما تم تدميره، وكأن المسار قابل للعكس بسهولة. بينما الواقع أكثر تعقيدًا، خاصة حين يتعلق الأمر بجرائم عنف خلفت ضحايا ومعاناة إنسانية عميقة.
ومن بين التحفظات التي تُثار كذلك بشأن هذه المقاربة، التخوف من أن يُفهم فتح باب إعادة التأهيل لدى بعض الفئات على أنه مؤشر إلى إمكانية التساهل أو الحصول على معاملة مخففة في نهاية المطاف، وهو ما قد يضعف الأثر الردعي للعقوبة في نظر البعض. فحين يترسخ الانطباع بأن الانخراط في مسارات الغلو والتطرف يمكن أن ينتهي لاحقًا إلى مراجعات تُفضي إلى العفو أو التخفيف من المسؤولية، قد ينشأ لدى البعض شعور خاطئ بأن كلفة الانحراف ليست مرتفعة بما يكفي لردعهم عنه منذ البداية.
ولهذا فإن أي برامج للمراجعة أو إعادة التأهيل ينبغي أن تُبنى على معادلة واضحة تجمع بين الحزم والإنصاف؛ بحيث تبقى المساءلة القانونية قائمة، وتحفظ حقوق الضحايا كاملة، ويُفهم التأهيل باعتباره وسيلة للحد من مخاطر العود إلى التطرف وخدمة المصلحة العامة، لا باعتباره بديلاً عن العدالة أو طريقًا مضمونًا للإفلات من تبعات الأفعال المرتكبة.
ولا يعني هذا إلغاء الحوار أو الانتقاص من قيمته بشكل مطلق، بل وضعه في إطاره الصحيح باعتباره إجراءً مكملًا ومحدودًا، لا يحل محل العدالة، ولا ينتقص من المساءلة القانونية، ولا يُختزل به حق الضحايا في الإنصاف وجبر الضرر. كما لا يعني ذلك الانتقاص من دور العلماء في هذا المجال، ولا التقليل من أهمية جهودهم، خاصة عندما يتولى هذه المهمة علماء أجلاء لهم من الاعتبار والاحترام ما يضفي على هذا المسعى قدرًا كبيرًا من المصداقية والتأثير الإيجابي.
محمد فال ولد بلال



.jpeg)

.jpeg)