أقارب الرئيس

ليست مسألة أقارب الرؤساء ظاهرة موريتانية خالصة، بل تكاد تكون ظاهرة إنسانية وسياسية عامة، لا تخلو منها الأنظمة، ديمقراطية كانت أو سلطوية. فالقرب من رأس السلطة يفتح، بطبيعته، أبوابًا للاستماع والتأثير والوساطة، وقد يُستفاد منه أحيانًا في إيصال رسائل أو تسوية خلافات أو تقريب وجهات النظر.
غير أن هذه الظاهرة تصبح أكثر تعقيدًا في المجتمعات التي ما تزال للروابط القبلية والعائلية والعشائرية فيها مكانة مؤثرة في الحياة العامة. ففي مثل هذه البيئات، قد يصعب الفصل بين القرابة الاجتماعية والسلطة السياسية، وبين العلاقة الشخصية والامتياز العمومي.
ومنذ نشأة الدولة الوطنية في موريتانيا، لم يخلُ عهد من اتهام بعض أقارب الرئيس أو محيطه الاجتماعي بممارسة النفوذ، أو التدخل في التعيينات والصفقات، أو الانتفاع من موارد الدولة. ولا شك أن بعض هذه الاتهامات قد يستند إلى وقائع حقيقية، كما أن بعضها الآخر قد يتحول، بفعل التعميم والخصومة السياسية، إلى ظلم جماعي يصيب أشخاصًا لم يرتكبوا سوى أنهم من أقارب الرئيس.
فالقرابة لا ينبغي أن تكون مصدر حصانة، لكنها ليست في حد ذاتها دليل إدانة.
والواقع أن نفوذ أقارب الرؤساء لا ينشأ دائمًا بمبادرة منهم، ولا يمارس في فراغ. فكثيرًا ما يجدون من الوزراء وكبار المسؤولين ورجال الأعمال من يتقرب إليهم، ويضخم مكانتهم، ويستخدم أسماءهم لتحقيق مصالح ضيقة أو لتصفية حسابات داخل أجهزة الدولة. وقد يحدث أن يصنع بعض النافذين نفوذ قريب الرئيس قبل أن يبدأوا لاحقًا في الشكوى منه.
فالمسؤول الذي يفتح أبواب إدارته لقريب الرئيس، ويتجاوز القوانين استرضاءً له، لا يقل مسؤولية عن القريب الذي يقبل بذلك أو يستفيد منه. بل قد يكون أخطر منه، لأنه صاحب سلطة عامة ومؤتمن على تطبيق القانون.
ومن هنا، فإن معالجة هذه الظاهرة لا تكون بالتشهير الجماعي بأقارب الرئيس، ولا بتركهم فوق المساءلة، وإنما بترسيخ قواعد واضحة تمنع تضارب المصالح، وتلزم الإدارات بالشفافية، وتخضع الصفقات والتعيينات للمعايير القانونية، بحيث لا يعود القرب من الرئيس قادرًا على فتح باب أغلقه القانون، ولا على إغلاق باب فتحته الكفاءة والاستحقاق.
وقد كان من اللافت أن يقول رئيس الجمهورية، في معرض رده على سؤال صحفي بشأن الفساد ونفوذ الأقارب، إنه عندما يتعلق الأمر بالمصلحة العامة فلا أقارب له. وهي عبارة قوية من حيث المبدأ، غير أن قيمتها الحقيقية ستقاس بمدى قدرة المؤسسات على تطبيقها على الجميع، دون حماية لقريب، ودون ظلم لقريب لمجرد قرابته.
فالمطلوب ليس أن يتبرأ الرئيس من أقاربه، ولا أن يُطلب منهم الانسحاب من المجتمع أو النشاط الاقتصادي، وإنما أن تظل صفتهم العائلية منفصلة عن سلطة الدولة، وأن يخضعوا، مثل سائر المواطنين، للقانون نفسه والرقابة نفسها.
وفي النهاية، ليست المشكلة في أن يكون للرئيس أقارب؛ فذلك من طبيعة البشر. المشكلة تبدأ حين تتحول القرابة إلى وظيفة غير معلنة، أو إلى طريق موازٍ إلى الدولة، أو حين يستخدمها بعض المحيطين بالحكم لتبرير مصالحهم.
فدولة المؤسسات لا تمنع القرابة، لكنها تمنع أن تصبح القرابة مؤسسة.

عبد القادر ولد محمد

أحد, 26/07/2026 - 11:51