بعد خمس سنوات على سقوط كابول.. هل يقف الساحل أمام السيناريو نفسه؟

بعد خمس سنوات على سقوط العاصمة الأفغانية كابول بيد حركة طالبان، يعود الجدل حول جدوى المقاربة العسكرية في مواجهة الحركات المسلحة، وهذه المرة في منطقة الساحل، حيث تتزايد المؤشرات على تعقّد المشهد الأمني في مالي وتوسع نفوذ الجماعات المسلحة.

ففي أغسطس 2021، شكّل الانسحاب الأمريكي من أفغانستان نهاية حرب استمرت عقدين، بعدما انهارت مؤسسات الدولة الأفغانية خلال أيام قليلة. واليوم، ومع تداول تقارير إعلامية أمريكية عن احتمال دراسة واشنطن تنفيذ ضربات ضد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) في منطقة الساحل، يعود السؤال نفسه: هل تكفي القوة العسكرية وحدها لحسم نزاعات من هذا النوع؟

ويرى مراقبون أن تجربة أفغانستان أظهرت أن الحركات المتمردة لا تنتصر فقط بقدراتها العسكرية، بل أيضًا بقدرتها على ترسيخ نفوذها داخل المجتمعات المحلية، وملء الفراغ الذي تتركه مؤسسات الدولة في مجالات الأمن والعدالة والخدمات، وهو ما وفر لطالبان قاعدة اجتماعية ساعدتها على استعادة السلطة.

وفي مالي، تغير المشهد العسكري خلال السنوات الأخيرة مع انسحاب القوات الفرنسية وإنهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة (مينوسما)، إلا أن هذا الانسحاب لم يؤد إلى تراجع العنف، بل تواصلت هجمات الجماعات المسلحة واتسع نطاقها، وهو ما يدفع بعض المحللين إلى اعتبار أن جذور الأزمة تتجاوز الوجود العسكري الأجنبي وترتبط بعوامل داخلية تتعلق بالحكم، والتنمية، وضعف مؤسسات الدولة.

كما يشير متابعون إلى أن العمليات الأخيرة، مثل الحصار الذي شهدته منطقة أنيفيس والهجمات على بعض المحاور الطرقية، تعكس اعتماد الجماعات المسلحة استراتيجية تقوم على استنزاف الدولة تدريجيًا وعزل المناطق قبل السعي إلى السيطرة عليها، وهو تكتيك يذكّر بما شهدته أفغانستان خلال السنوات الأخيرة التي سبقت سقوط كابول.

مع ذلك، يؤكد خبراء أن المقارنة بين الحالتين يجب أن تتم بحذر، إذ تختلف طبيعة الفاعلين في مالي. فالحركات المسلحة لا تشكل كتلة واحدة؛ إذ تتباين أهداف جبهة تحرير أزواد (FLA) ذات الطابع السياسي والقومي، مع أهداف جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التي تتبنى مشروعًا جهاديًا، كما يتواصل الصراع بين هذه الجماعات وتنظيم الدولة الإسلامية في الساحل.

ويعتبر محللون أن هذا التعدد في الفاعلين قد يتيح، نظريًا، فرصًا للحلول السياسية مع بعض الأطراف، شريطة توفر إرادة للحوار ومعالجة أسباب النزاع، بدل الاكتفاء بالمقاربات العسكرية.

ويرى أصحاب هذا الطرح أن التحدي الأكبر يبقى مرتبطًا بقدرة الدولة على استعادة ثقة المواطنين عبر تحسين الخدمات العامة، وتعزيز العدالة، وبناء مؤسسات تتمتع بالمصداقية، باعتبار أن الشرعية لا تُكتسب بالقوة وحدها، وإنما أيضًا بقدرة الدولة على تلبية احتياجات السكان.

وفي هذا السياق، تستحضر تجربة المفاوضات التي جرت بين الولايات المتحدة وحركة طالبان في الدوحة، حيث يرى بعض المراقبين أن الحوار جاء بعد تغير ميزان القوى على الأرض، الأمر الذي حدّ من هامش المناورة لدى واشنطن. ومن ثم، فإن أي مسار تفاوضي في منطقة الساحل قد يكون أكثر جدوى إذا تم قبل أن تفرض الوقائع العسكرية شروطها.

وبين أفغانستان والساحل، تبقى أوجه التشابه والاختلاف قائمة، غير أن القاسم المشترك الذي يبرز في الحالتين هو أن المعالجات الأمنية وحدها لا تبدو كافية لإنهاء نزاعات معقدة تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ما يجعل مستقبل المنطقة رهينًا بقدرة دولها على الجمع بين استعادة الأمن وإطلاق مسارات سياسية تعالج جذور الأزمة.

جمعة, 24/07/2026 - 11:27