
تواجه فرنسا تحديات هائلة، وتنتظرها قلاقل خطيرة ستعمّق أزماتها السياسية والاجتماعية وتسرّع تآكل نفوذها الخارجي. أما السعودية، فتواجه تهديدات قد تتجاوز حدود الأمن والاستقرار إلى تهديد وجودي يعيد رسم خريطتها وترتيب أوضاعها على أساس حسابات ما قبل 1934، وهو ما يعني أن السعودية التي عرفها العالم لن تكون بالضرورة هي السعودية التي سيعرفها في المستقبل. إننا أمام تحولات كبرى لا يجوز لدولة عاقلة أن تبني مستقبلها على افتراض أنها لن تمسّ حلفاءها أو مظلاتها التقليدية.
لكن موريتانيا تبدو وكأنها تعيش خارج الزمن. سياستها الخارجية متجمدة، ونظرة نظامها إلى العالم أسيرة خرائط قديمة؛ فبينما تتسع الانهيارات والتحولات من حولنا فإن الجميع منشغل بالتحضير لانتخابات 2029، وبحسابات المأمورية الثالثة، وتقاسم النفوذ وترتيب المواقع، وكأن التاريخ توقف عند حدود القصر الرمادي، وكأن العالم لن يزعجنا ولا حتى بطرق الأبواب علينا إلى إن تنتهي انتخاباتنا ومعاركنا على السلطة.
إننا نتجادل اليوم حول من سيحكم موريتانيا بعد سنوات، ولا نسأل أنفسنا في أي عالم سنكون بعد سنة من الآن !
إنه عمى سياسي في لحظة تاريخية لا ترحم العميان ولا تلقي بالا للغافلين. فموجة هائلة تتشكل في العالم، وتسونامي جيوسياسي يجرف التحالفات القديمة ويعيد توزيع القوة والنفوذ، بينما تقف دولتنا بلا أحلاف إقليمية صلبة ولا مظلات بديلة تحمي خياراتها. وفرنسا التي اعتادت آنظمتنا الاطمئنان إلى نفوذها تواجه مستقبلًا مضطربًا، والسعودية التي طالما تعودنا على تحويلاتها المالية تمر بتحولات ستغير سياساتها و حساباتها جذريًا. ومع ذلك، لا يبدو أن صانع القرار الموريتاني يستعد لليوم الذي قد يجد فيه نفسه وحيدًا أمام عالم مختلف، بعدما تصدعت المظلات التي اعتاد الاحتماء بها.
لقد دعوت مرارًا إلى الانتباه إلى أن الرهان الاستراتيجي الحقيقي لموريتانيا يوجد في محيطها الساحلي والإفريقي، لا في التعلق الأبدي بقوى قديمة مهما كانت أهمية العلاقات معها، وأكدت ولازلت مصرا على التأكيد من جديد أن مالي والنيجر وبوركينا فاسو ليست مجرد بؤر اضطراب أمني، بل فضاء تتشكل فيه تصورات جديدة للسيادة والتحالفات والمصالح، وأننا أولى بصداقة هذه الدول من الجزائر، فموريتانيا بموقعها الجغرافي والتاريخي وصلاتها العربية والإفريقية، هي – وليس أحدا آخر- الجسر الطبيعي والاستراتيجي بين الساحل والعالم إذا امتلكنا رؤية تتجاوز الحسابات الذاتية الضيقة.
وليس المطلوب أن نتنكر أو ندير الظهر لبلد مهم كالسعودية أو فرنسا ، أو المغرب , بل أن نتوقف عن النظر إلي هذه الدول كأنهما ثوابت أبدية في معادلة دولية متحركة، وأنه مهما تغير العالم فهذه قوى محصنة بحصن حصين..
من لك يا موريتانيا؟ ليس سؤالا ساخرًا فحسب، بل تحذير صادق من يوم يستيقظ فيه بلدنا فجأة ليكتشف أن العالم من حوله قد تغير دون أن يكون مستعدا لمفاجآته، وأن القوى التي كان يعتبرها مظلات أمان أصبحت منشغلة بأزماتها، وأن جيرانه الذين لم بحسن قراءة تحولاتهم صاروا شركاء في رسم نظام إقليمي جديد، عندها لن تنفع حسابات المأمورية الثالثة، ولن تعيد الانتخابات الديموقراطية المظلات التي تمزقت إلينا كما كانت ، فالتاريخ لا يعير اهتماما لحسابات فات أوانها ، والتسونامي لا يستأذن الغافلين قبل أن يجرفهم.
ولكن من يدري ، فربما لن نتأثر بتحولات العالم، لأننا ببساطة عالم وحدنا.



.jpeg)

.jpeg)