ادّعى اعتناق الإسلام ويُزعم أنه أصبح "إماما"... رينيه كاييه رحّالة في مجتمع البيظان

"وُلْد كَيْجَ النصراني"، أسطورة موريتانية شديدة الشيوع والرسوخ في العقل الجمعي الموريتاني، جرت أحداثها قبل قرنين من الزمان. تحولت قصة مستكشف فرنسي يُدعى رينيه كاييه René Caillié، الذي كان شغوفاً بزيارة مدينة تمبكتو التاريخية الواقعة في دولة مالي حالياً، إلى قصة رجل خدع مجتمع البيظان، وادّعى اعتناق الإسلام، حتى أصبح إماماً وعالماً يؤمّهم في الصلاة واسمه عبد الله، وصار مضرباً للأمثال ومنجماً للحكايات، فكيف حصل ذلك؟

 

تداخل بين الأسطورة والواقع

 

كانت موريتانيا وفضاؤها قِبلةً للمستكشفين الفرنسيين والغربيين، وكان لكلّ واحد منهم قصته وحكايته، إلّا أن رنييه كاييه يُعدّ أشهرهم، لما نُسج حوله من الحكايات. فأسطورته كان لها أساس تقف عليه ولم تكن مجرد خيال، بل واقعاً خصباً بالخيال والأسطورة.

يرى الأستاذ في جامعة نواكشوط، أحمد ولد المصطف، حول تعامل مجتمع البيظان مع المستكشف، أن "كثيرين منهم اعتقدوا في البداية أنه كان صادقاً في اعتناقه الإسلام، وعاملوه على ذلك الأساس، في حين شكك البعض منهم في نواياه وعدّوه مغامراً يسعى إلى تحقيق مآرب أخرى".

أضاف الباحث في تصريح لرصيف22: "توازياً مع ذلك، نسج البيظان الكثير من القصص عن كاييه، ومن ذلك أنه تفقَّه حتى أصبح يؤمّ الصلاة، ويدلّلون على ذلك بأنه لما رحل عنهم، كتب إلى شيخه محمد بن سيد المختار ما نصه: ‘وبطلَت باقتداء من بانَ كافراً’ (بطلت صلاة من تأكد أنه كافر)، وهو حكمٌ من نصّ ‘مختصر خليل’، وهي أهم مدونة في الفقه المالكي". لكن الحقيقة، يقول الأستاذ ولد المصطف، أن ما تحصّل عليه رنييه كاييه من العلم في أثناء مقامه في البراكنة كان مستوى أوّلياً لا يتجاوز كتابة بضع سور من القرآن الكريم وتعلم القراءة والكتابة.

وأشار إلى أنَّ ما لعب دوراً في تضخيم الأسطورة، قد يكون "ما ذكره رينيه كاييه عن نفسه من أنه ورث الكثير من المال عن والده وأنه استودعه عند تاجر فرنسي في مدينة أندر، وهو ما جعل الكثير من البيظان يهتمّون به ويضعونه في مكانة غير مكانته الحقيقية".

نبّه المتحدث الذي سبق أن قدّم قراءةً لكتاب ألّفه رينيه كاييه عن رحلته، إلى أن قدوم هذا الأخير إلى لبراكنة وهي المنطقة التي مكث فيها في موريتانيا واحتكّ بأهلها أكثر، كان من أجل تعلّم اللغة العربية، إذ قال: "بخصوص مقامه في البراكنة الذي استمر زهاء ثمانية أشهر، من أيلول/ سبتمبر 1824 إلى أيار/ مايو 1925، أوضح ر. كاييه أنه كان يسعى إلى تعلّم اللغة العربية ليتمكّن من التواصل مع السكان المسلمين في الفضاءين الحاليّين، موريتانيا ومالي، اللذين يتحدث الكثير من أهلهما الحسّانية (العامية العربية)".

مستشرق سحرته تمبكتو

 

في مورزيه، مقاطعة دو سيفر في فرنسا، سنة 1800، رُزقت أسرة فرنسية فقيرة بولد هو رينيه كاييه. فقد هذا الولد والديه في طفولته، وكان محبّاً للقراءة ومطالعاً نهماً لرحلات المغامرين، يهرب بها من واقعه كتلميذ في مدرسة خاصة بأبناء الفقراء.

ساقته أقداره إلى السنغال بعد الاتفاقية المبرمة بين الإنكليز والفرنسيين، سنة 1816، وهي التي سُلّمت بموجبها مستعمرة السنغال إلى فرنسا، وبعد أشهر، انطلق نحو مدينة سينلوي أو أندر باللغة البولارية، قاصداً الإنكليز المغادرين، الذين كانوا يجهزون رحلةً استكشافيةً إلى داخل إفريقيا يرأسها الرائد بيدي Peddie، وكانت هذه الرحلة تهدف إلى الوصول إلى جبال فوتا جالون.

كان مصير الرحلة الفشل، إذ مات قائدها وخلَفُه، وبالرغم من ذلك واصل الإنكليز رحلاتهم الاستكشافية، فانتدبوا رائداً آخر لمواصلة الرحلة، وقد شرع في تشكيل فريقه، واستعد كاييه للّحاق به لمّا علم بالأمر، لكن أحد الضباط الفرنسيين نصحه بعدم المشاركة فيها واقتنع بذلك، ليتجه نحو جزيرة غوادلوب حيث عمل لفترة، ليرجع إلى فرنسا وبعد ذلك إلى أندر نهاية عام 1818.

في 1824، عاد كاييه مرةً أخرى إلى السنغال، بعد خوض مغامرات وأسفار عديدة، ثم عبر إلى الضفة الأخرى لنهر السنغال، أي موريتانيا، حيث قضى ثمانية أشهر مع البيظان في منطقة البراكنة لتعلّم اللغة العربية والعلوم الإسلامية، وحينها ادّعى اعتناق الإسلام وأصبح اسمه عبد الله، وذلك تحضيراً لرحلته الاستكشافية لمدينة تمبكتو، ولاقتناعه بأن حلمه ومشروعه الأكبر، وهو الوصول إلى تمبكتو والرجوع منها، لا يمكن تحقيقه بغير الظهور بمظهر شخص مسلم يعرف العربية، حتى يسلم من المخاطر التي قد يصادفها في طريقه إلى مقصده الأسمى تمبكتو، وكان شيخه قد سأله عن أسباب اعتناقه الإسلام، فأجابه بأنه قرأ ترجمةً للقرآن الكريم باللغة الفرنسية وبسببها وجد حقائق أصبح مقتنعاً بها.

سافر لاحقاً إلى سيراليون، وعمل هناك مع الإنكليز، ليستأنف رحلته من هناك، فمرّ بغينيا وساحل العاج ثم مالي، حيث عبر باماكو ليصل إلى تمبكتو يوم 20 نيسان/ أبريل 1828. وبعد أن أمضى في تمبكتو نحو أسبوعين، رجع في قافلة متوجهة إلى المغرب أوصلته إلى فاس ثم طنجة حتى وصل إلى فرنسا سنة 1830.

وبذلك حقق مجده وحلمه وأسطورته الشخصية، ومنحته جمعية الجغرافيا Société de Géographie الجائزة التي سبق أن رصدتها لمن يصل إلى تمبكتو ويعود منها، والبالغة عشرة آلاف فرنك، ويكون الأوروبي الأول الذي يزور تمبكتو ويرجع حياً، فقد سبقته محاولات لكن أصحابها غادروا الدنيا ولم يعودوا.

يُذكر أن سبب مغادرته أرض موريتانيا واختفائه المفاجئ، كان قصّةً حدثت معه في السنغال، فبعد أشهر من المقام في البراكنة، قرّر رينيه كاييه الذهاب إلى أندر، وقد شاور شيخه قبل ذلك، ورافقه الابن الثاني لشيخه، ووصلا في 16 أيار/ مايو من 1825، وركبا في رحلتهم تلك قارباً متوجهاً إلى المدينة.

 

ظل ابن الشيخ يراقب كاييه في أثناء تلك الرحلة، وخلالها حاول رينيه ألا يلتقي ابن شيخه بشيخ آخر يعرف كاييه، لكن اللقاء حدث، وقد تحدث الشيخ المذكور لابن شيخ كاييه عن لقاء جرى بينه وبين كاييه، وقال له إنه طلب منه من قبل أن يرافقه إلى منطقة الترارزة بغرض الدراسة بحجة أنه اعتنق الإسلام، غير أنه رفض طلبه، والسبب هو معلومات حصل عليها في أندر، تؤكد أن اعتناقه الإسلام كان لأغراض أخرى ومجرد تغطية، وليس حقيقياً، وقد لام رينيه الشيخ على حديثه مع ابن شيخه، فكان رد الشيخ هو أن بعض سكان السنغال الذين هم على علاقة قوية بالفرنسيين أكدوا له ما قاله لابن شيخ رينيه.

 

بعد ما حدث، عرف رينيه أنه فقد ثقة ابن شيخه، فقد أحدث كلام الشيخ شرخاً، لذلك تأكد أن الحل الوحيد أمامه هو لقاء حاكم أندر، البارون روجيه، ليمنحه بعض المال الذي يمكّنه من الرجوع في عجالة إلى مخيم شيخه مع ابنه ويشتري قطيعاً من الماشية وعبدين حتى يطفئ نار الشكوك حوله، والتي تكاد تشعله، لكنه حين وصل إلى أندر علم أن الحاكم المقصود ذهب إلى فرنسا، فقابل خليفته الذي لم يلبِّ طلبه، ولم يمنحه سوى مبلغ 1،200 فرنك عوض 6،000 فرنك طلبها، وهو ما جعله يرفض هذا المبلغ الذي لا يمكّنه من إكمال دراسته عند شيخه.

 

بعد هذا الرفض، التقى ابن شيخه وودّعه وداعاً أخيراً تمّ على عجل وبشكل مفاجئ اختفى خوفاً من رد فعل البيظان بعد علمهم بأمره وخداعه، وتنطلق بعد ذلك القصص والأمثال حوله وحول رحيله وقصته.

في كتابه "تمبكتو وأخواتها"، تحدث الكاتب والصحافي الموريتاني عبد الله ولد محمدي، عن حكاية رينيه كاييه، وربط بينه وبين قصة لورانس العرب، بالرغم من أن كاييه كان سابقاً عليه تاريخياً، قائلاً: "جيل كبير من أحفاد لورانس يحلم برحلة إلى منطقة مجهولة ويريد أن يترك قصةً أو أثراً. ومنذ قرون وتمبكتو تجسّد هذا الحلم، مدينة ظلت محرّمةً على غير المسلمين. كل الذين وصلوا إليها لبسوا لبوس الإسلام".

"رينيه كاييه" هو واحد من هؤلاء المغامرين الذين فُتنوا بالشرق عموماً، وتمبكتو خصوصاً. سافر من فرنسا بحراً وقطع الصحارى المقفرة والغابات الموحشة وواجه الموت مرات كثيرةً (...)، ومن أجل الوصول أيضاً إلى هذه المدينة تظاهر بالإسلام، فكان يصوم أيام رمضان الحارّة ويصلي الصلوات الخمس".

مضيفاً: "عند باب بيت طيني متواضع عُلّقت لافتة كبيرة، كُتب عليها: ‘هنا كان يعيش رينيه كاييه’".

 

ملاحظاته عن مجتمع البيظان

 

كتب رينيه كاييه عن رحلته وعن حاله في موريتانيا، وذلك في كتاب عنْوَنَه: يوميات رحلة إلى تمبكتو وجنة بإفريقيا الوسطى، تحدث فيه عن مجتمع البيظان وسرد بعض الملاحظات. فوجئ المستكشف بمكانة المرأة في مجتمع البيظان، إذ عدّ أن سلطتها على الرجل أكبر بكثير مما تتمتع به المرأة في فرنسا آنذاك، ولاحظ أن مجتمع البيظان لا يتبنى تعدد الزوجات، وهو ما يجعله مجتمعاً استثنائياً في فضائه الإفريقي.

كذلك، قدّم المستكشف نقداً للطبقات العليا في الهرم الاجتماعي، إذ اتّهمها بالكسل والخمول ونبذ العمل، وتحدث عن عادات المجتمع وألعابه.

كاييه ليس بالطبع المستكشف الوحيد المثير للجدل، لكن قصته وأسطورته كانتا فريدتين، وقال ولد المصطف: "أعتقد أن القصة التي كان يمكن أن تكون مشابهةً لأسطورة ول كيج النصراني، هي قصة البرتغالي جوآو فرنانديس الذي أقام لأشهر عدة مع البيظان نحو سنة 1443 م، في منطقة تيرس، وقدّم وصفاً مهماً لحياتهم في تلك الفترة، لكنّ الذاكرة الجمعية لم تحتفظ بأي من ذكرياته، ربّما بسبب قِدَم تلك الفترة وما تم تسجيله من أحداث جسام ما حال دون تمثّل تلك القصة في المخيال الشعبي".

ثلاثاء, 23/08/2022 - 18:28