محكمة الحسابات تكشف اختلالات واسعة في تسيير صندوق التضامن ومكافحة كورونا

كشف التقرير السنوي لمحكمة الحسابات الصادر يوم الأربعاء، عن خروقات مالية وإدارية متعددة في تسيير الصندوقالخاص للتضامن الاجتماعي ومكافحة فيروس كورونا، المنشأ بموجب المرسوم رقم 051/2020 بتاريخ 6 أبريل 2020، مؤكداً أن أداء الصندوق لم يكن في مستوى الأهداف المعلنة عند إنشائه لمواجهة تداعيات الجائحة.

 

 

مداخيل ضخمة واستخدام مثير للجدل

 

أوضح التقرير أن إجمالي مداخيل الصندوق بلغ حتى إبريل 2022 نحو 105,86 مليار أوقية قديمة، موزعة بين:

- 20 ملياراً كمساهمة من الدولة،

- 19 ملياراً من المانحين الخارجيين،

- 21 ملياراً من مؤسسات وخواص،

- و44 ملياراً في شكل مساهمات عينية.

 

غير أن المحكمة لاحظت أن وجهاً من أوجه الإنفاق لم يكن منسجماً مع البنود المقررة في ميزانية الصندوق، مستعرضة مثالاً على ذلك بتحويل 100 مليون أوقية من طرف وزارة الصحة إلى بعض المستشفيات تحت مبرر دعم وحدات التلقيح.

لكن بعثات التفتيش أوضحت أن هذه التحويلات لا تستند إلى أساس قانوني واضح، وأنها تمّت خارج نطاق البنود المخصصة لها، رغم تبرير المسير بأنها صادرة بناء على مقرر من وزير المالية، رئيس لجنة التسيير.

 

 

منافسة وهمية وصفقات موجهة

 

وفي مجال الصفقات العمومية، كشفت المحكمة عن مظاهر “منافسة صورية” في عدد من العقود الممولة من الصندوق، موردة أمثلة على تحايل في العروض الفنية والمالية، من بينها صفقة اقتناء جهاز الفحص المتسلسل (PCR) بمبلغ 149 مليون أوقية لصالح شركة Ets SEL، رغم غياب بعض الوثائق الفنية الإلزامية.

 

كما رصد التقرير صفقتين لتعبئة قنينات الأوكسجين أبرمتا مع شركة Ets TABA، إحداهما بقيمة 21 مليون أوقية والثانية 92 مليوناً، رغم أن الشركة غير متخصصة في المجال، ومسجلة في قطاع المعدات المكتبية.

وقد تم التسديد بناء على إفادات تسليم بدلاً من محاضر استلام رسمية، وهو ما يخالف النماذج القانونية المنصوص عليها في دليل الصفقات تحت العتبة.

 

واعتبرت المحكمة أن استبعاد بعض المنافسين لأسباب “قصدية” يشير إلى محاولة توجيه النتائج مسبقاً، لافتة إلى أن بعض العروض تجاوزت الحد الأقصى المسموح به للجنة المشتريات، دون أن يتم استبعادها كما يقتضي القانون.

 

 

 

ضعف المحاسبة وتكرار التسجيلات المالية

 

ورصد التقرير اختلالات محاسبية خطيرة، من أبرزها تكرار تسجيل نفقات تعويض تكاليف المياه القروية في جانبي الحساب، مما أفقد رصيد الصندوق مصداقيته.

وبلغت قيمة العمليات المكررة 558.3 مليون أوقية قديمة موزعة على 44 عملية، إضافة إلى عمليات أخرى في الجانب المدين دون مقابل في الجانب الدائن بلغت قيمتها 53.2 مليون أوقية.

 

وأكدت المحكمة أن هذه الممارسات تشكّل خرقاً صريحاً للمادة 10 من المقرر رقم 275 و.م بتاريخ 24 أكتوبر 2020، التي تفرض تسجيل كل عملية في فصل فرعي مخصص لها لضمان الشفافية وقابلية التتبع.

 

 

مخزون غير موثق وهبات بلا تتبع

 

واعتبرت المحكمة أن تسيير الموارد العينية البالغة قيمتها 44 مليار أوقية — أي 42% من إجمالي موارد الصندوق — شابه غياب شبه تام للرقابة المؤسسية.

فلا توجد جهة إشراف مركزية تتولى توثيق استلام الهبات، إذ تقتصر وثائق الاستلام على توقيع مسؤول المخزن، في غياب أي محاضر للجنة الاستلام التي أنشأتها وزارة الصحة سنة 2021.

 

وأكد التقرير أن عدم انتظام عمل لجنة الاستلام أدى إلى ضعف إمكانية التأكد من دخول جميع المساهمات العينية فعلياً إلى المخازن أو تسجيلها في قاعدة البيانات “أمانتي”، مما يثير الشك في موثوقية المخزون.

كما لاحظت المحكمة أن التقارير الدورية للجنة الوزارية تكتفي بعرض المداخيل ولا تتطرق إلى كيفية استخدام الموارد، وهو ما اعتبرته “تقصيراً كبيراً في صلب عملية المتابعة والمساءلة”.

 

 

غياب الرقابة الداخلية

 

وأشارت المحكمة إلى أن الصندوق يفتقر إلى نظام رقابة داخلية فعال يشمل إجراءات واضحة لضبط المخزون، وتحديث قاعدة البيانات، والقيام بجرد دوري للموارد العينية.

ودعت إلى تدقيق شامل للموارد العينية من نقطة البداية، نظراً لغياب سجل تأسيسي موثوق، وإلى إدراج المداخيل العينية في الحسابات الرسمية لدى الخزينة العامة حتى تعكس الصورة المالية الكاملة للصندوق.

 

 

واعتبرت محكمة الحسابات أن معالجة هذه الاختلالات تتطلب إرادة إدارية قوية وإصلاحات مؤسسية جذرية تعيد الثقة في آليات التسيير العمومي، وتكرّس مبادئ النزاهة والشفافية في إدارة المال العام.

 

 

خميس, 09/10/2025 - 17:20