تقرير محكمة الحسابات يكشف أزمة خانقة داخل شركة الكهرباء الموريتانية

أظهر التقرير السنوي الأخير لمحكمة الحسابات (2022–2023) أن الشركة الموريتانية للكهرباء “صوملك” تعيش وضعًا ماليًا متدهورًا واختلالات هيكلية عميقة تمسّ كل جوانب التسيير، من الحسابات إلى الصفقات والموارد البشرية، في وقت تتفاقم فيه الديون والعجز المالي إلى مستويات غير مسبوقة.

 

 

 مديونية ضخمة.. وخطر الإفلاس

 

 

كشف التقرير أن مديونية الشركة قفزت من 385% عام 2021 إلى 800% عام 2022، في مؤشر خطير على فقدان التوازن المالي واستقلالية التمويل.

وأشار إلى أن الأموال الذاتية للشركة لا تمثل سوى 17% من مواردها الدائمة، وهي نسبة بعيدة عن الحد الأدنى المطلوب (50%)، ما يجعل الشركة مهددة بفقدان ثقة الممولين وصعوبة الحصول على تمويلات جديدة.

 

كما تعاني “صوملك” من عجز حاد في السيولة، إذ تراجعت نسبة السيولة العامة من 87% سنة 2021 إلى 64% سنة 2022، بينما لا تغطي الأصول المتداولة الديون قصيرة الأجل، ما يضع الشركة أمام خطر التوقف عن التسديد والإفلاس الفعلي.

 

 

 

 20 ألف مشترك لم يسددوا منذ عقود

 

 

وأفادت المحكمة أن أكثر من 20 ألف مشترك، من بينهم زبناء عموميون وخاصون، لم يسددوا أي فاتورة منذ اشتراكهم، وبعض الحالات تعود إلى عامي 2003 و2004، دون أن يتم قطع التيار عنهم، في خرقٍ واضح للمادة 2.2 من القانون رقم 25-2001 التي تُلزم الشركة بقطع الخدمة بعد 15 يومًا من عدم الدفع.

 

وتقدّر محكمة الحسابات الديون المترتبة عن هذه الحالات بنحو 6 مليارات أوقية قديمة، ما يمثل خسارة مباشرة لميزانية الشركة، إضافة إلى عجزها عن تحصيل نحو 6 مليارات أخرى من الزبناء العموميين، رغم تنبيهها المتكرر للجهات الوصية.

 

 

 نظام معلوماتي متهالك وإدارة فوضوية

 

 

وسجّل التقرير أن النظام المعلوماتي المستخدم داخل “صوملك” قديم ومبني على لغة برمجة تعود إلى الثمانينات، ولم يعد يسمح بمتابعة دقيقة لحسابات الزبناء أو المداخيل.

كما أن النظام لا يعتمد الرقم الوطني للتعريف، ولا يواكب عمليات التحصيل اليومية، ما يجعل إعداد المخرجات المالية يتم بشكل يدوي ويعرض البيانات للأخطاء.

 

إضافة إلى ذلك، 57% من عمال الشركة – أي أكثر من ألف عامل – يعملون دون عقود رسمية، ويتقاضون تعويضات ضعيفة رغم توليهم مهام حساسة، في خرق صريح لقوانين العمل، وهو ما اعتبرته المحكمة “عبئًا يعطل الاكتتاب السليم للكفاءات”.

 

 

 هدر للطاقة وخسائر بمليارات الأوقية

 

 

وأشار التقرير إلى أن الشركة تهدر أكثر من 700 ألف ميغاواط/ساعة سنويًا من الكهرباء، خلال عامي 2021 و2022، لأسباب تتعلق بالربط غير القانوني، وتخفيض سرعة العدادات، والتوصيلات المباشرة خارج النظام الرسمي.

وقدّر الضرر المالي الناتج عن هذا الهدر بأكثر من 28 مليار أوقية قديمة، ما يعادل عشرات الملايين من الدولارات سنويًا.

 

 

 

 تجاوزات في الصفقات وضعف في الرقابة

 

 

وسجّلت محكمة الحسابات وجود تجاوزات في لجان الصفقات العمومية داخل الشركة، بينها مشاركة بعض الأعضاء في تقييم العروض التي قدموها، إلى جانب نواقص في كفالات التنفيذ وتطبيق الأهداف العامة، مما يشير إلى خلل هيكلي في منظومة الرقابة الداخلية والمساءلة المالية.

 

 

 ردود الإدارة السابقة ومحكمة الحسابات ترفض التبريرات

 

 

وفي ردّه على الملاحظات، أقرّ المدير العام السابق الشيخ ولد بَدَّه – المندوب العام الحالي لـ”تآزر” – بوجود نظام معلوماتي متقادم، مشيرًا إلى أنه أطلق مناقصة لاقتناء نظام مندمج جديد.

وبرّر ظاهرة الفوترة التقديرية بـ”تحايل الزبناء”، كما أرجع عدم دفع مستحقات الصندوق الاجتماعي والتأمين الصحي إلى الأزمة المالية التي عصفت بالشركة.

 

لكن محكمة الحسابات اعتبرت هذه الردود “عامة وغير مقنعة”، مؤكدة أن الإدارة لم تقدم أدلة على المتابعات القضائية أو التحصيل الفعلي للديون، وأن الوضع الراهن يتطلب إصلاحًا شاملاً وجذريًا لإعادة هيكلة الشركة وضمان شفافيتها واستمراريتها.

 

جمعة, 10/10/2025 - 12:52