
لم يكن انقلاب أكتوبر 1987 في موريتانيا مجرد تمرد عسكري محدود النطاق، بل لحظة مفصلية كشفت هشاشة التوازن الوطني وأطلقت سلسلة من الانكسارات العرقية والسياسية التي ستطبع وجه البلاد لعقود.
من اجريده إلى ولاته، ومن “صرخة الزنجي الموريتاني المضطهد” إلى احداث الضفة (1989–1991)، تلاحقت فصول الألم في سياقٍ كان فيه ولد الطايع يسعى إلى تثبيت سلطته بأي ثمن، بينما كانت القلوب تُقسم على أسس العرق والهوية.
هكذا شكّل انقلاب 1987، وما تلاه من تصفيات واعتقالات وتهجير، الشرارة التي أحرقت ما تبقّى من الثقة بين مكوّنات وطنٍ كان يفترض أن يولد من رحم التعدد لا من رماد الخوف.
بداية الشرخ
في فجر السادس من ديسمبر 1987، وعلى بعد حوالي 500 متر جنوب قاعدة اجريده، نفذ حكم الإعدام شنقا ورميابالرصاص في ثلاثة ضباط موريتانيين زنوج هم: با صيدي، صار آمادو وسي صيدو، بعد إدانتهم يوم 3 من نفس الشهربجريمة المساس بأمن الدولة. وإذا كان من الجلي أن قساوة الأحكام الصادرة بحق هؤلاء الضباط وعشرات منرفاقهم في السلاح، وسرعة تنفيذ الإعدام، أريد لها أن تكون رسالة ردع لكل من تسول له نفسه التفكير في "تغييرالتوازنات العرقية التي قامت عليها الدولة"، فإنه من الجلي أيضا أن تلك الطريقة السطحية في التعامل مع ملف بالغالتعقيد، كانت خطأ فادحا كلف المجتمع والدولة أثمانا باهظة.
في تلك الفترة كانت حركة قوات التحرير الإفريقية في موريتانيا "افلام" الوليدة، تبحث عن قوة دفع تعمق الكراهيةبين البيظان والزنوج وتصل بالقطيعة بينهما الى نقطة اللا عودة، وكانت سلطة ولد الطايع الناشئة تبحث عن قاعدةاجتماعية تستند إليها للبقاء أطول فترة ممكنة في السلطة. وكانت المراهقة الثورية وقصر النظر أفضل خصالالفريقين حينها، فقرر كل منهما تقديم هدية للآخر، لتدخل موريتانيا أحلك مراحل تاريخها حيث السجون والقتلوالسلب والترحيل والتآمر...
نشأة حركة “افلام” وسياقها التاريخيّ
كانت (افلام) قد تأسست يوم 14 مارس 1983 بعد اندماج كل من الاتحاد الديمقراطي الموريتاني، منظمة الدفاع عنمصالح الزنوج الأفارقة الموريتانيين، الحركة الشعبية الإفريقية الموريتانية وحركة التلاميذ والطلاب السود. وهيمنظمات زنجية تخرج أغلب قادتها من رابطات ثقافية ظلت تنشط منذ بداية السبعينات بهدف تطوير اللغاتالزنجية ومواجهة "خطر الاستلاب"، أو من المنظمات السياسية اليسارية التي نشطت بداية السبعينات، بالإضافة إلىقادة حركة الاحتجاج المدرسية ضد تعميم 1979.
انتظرت الحركة حلول شهر ابريل 1986 لتصدر وثيقتها ذائعة الصيت تحت عنوان: "صرخة الزنجي الموريتانيالمضطهد (فبراير 1966/ابريل 1986)". وقد شجبت هذه الوثيقة –التي وزعت في العديد من العواصم الإفريقيةوالأوربية- "عنصرية الدولة ونظام الأبارتايد الذي يكرس الهيمنة الفعلية للبيظان على مختلف مفاصل الدولة".
جاءت "صرخة الزنجي الموريتاني المضطهد" بمثابة إعلان ميلاد لفاعل سياسي جديد، لكن مضمون هذه الصرخةوخطورة الخلاصات التي توصلت إليها جعلت السلطة تنظر شزرا إلى المولود الجديد وتضعه تحت الرقابة المكثفة. وفي 31 أغشت 1986 تمت إقالة وزير الداخلية العقيد آن آمادو بابالي –في خضم حملة ضد البعثيين- بتهمةالتغطية على حركة "افلام"، وتم إعطاء الملف للمقدم جبريل ولد عبد الله الذي سيعرف لسنوات بالرجل الثاني فينظام ولد الطايع.
لم يتأخر المقدم ولد عبد الله في مباشرة مهمته الجديدة، حيث بدأ في الرابع من سبتمبر (أي بعد أربعة أيام منتعيينه) حملة اعتقالات طالت العشرات من قيادات "ثورة المثقفين الزنوج" بتهم عقد اجتماعات غير مرخصةوتوزيع منشورات تمس الوحدة الوطنية والتمالئ مع الخارج.. استهدفت الاعتقالات حوالي ثلاثين من قيادات افلام،بينما قامت القيادات التي نجت من الاعتقال بمحاولة تنظيم ردة فعل لإعطاء النظام فكرة عن مدى قوتها. ومن بينأبرز المعتقلين المؤرخ واللغوي با عمر، الوزيرين السابقين ديغو تبسيرو ولي مامادو، النائب السابق با عبد العزيز،الكاتب تن يوسف غي، الصحفي آمادو مختار صار، الأستاذين صال إبراهيما وصار آبدولاي والباحث صيدو كان.
وستعرف مدن مثل نواكشوط وانواذيبو وكيهيدي خلال شهر سبتمبر وبداية أكتوبر، احتجاجات مكثفة تميزت أحيانابالعنف الموجه ليس ضد المصالح العمومية فحسب، بل ضد المواطنين المدنيين وممتلكاتهم. وستؤدي تلكالاحتجاجات الأولى من نوعها في البلاد–والتي وصفتها السلطة بالإرهابية- إلى إحراق عدد من سيارات الموظفينومحطة للتزود بالمحروقات وسوق ومصنع، قبل أن يعلن مدير الأمن النقيب اعل ولد محمد فال يوم 13 أكتوبر عن"السيطرة على المنظمة السرية" وعن رفض السلطات "السماح للإرهاب بالوجود في موريتانيا سواء كان مصدرهداخليا أو خارجيا"..
وفي تعليقه على تلك الأحداث، اعتبر الرئيس ولد الطايع –في مقابلة له مع مجلة "جون آفريك" بتاريخ 14 سبتمبر أنالأمر يتعلق "بعناصر هدامة تسعى لجر البلاد إلى حرب أهلية.. عناصر حاولوا إغراق البلاد في الدماء معرضين وحدةالشعب للخطر".
وستتم محاكمة المتهمين على وجه السرعة وإصدار أحكام بالسجن على 27 منهم تراوحت بين 6 أشهر وخمسسنوات. وفي نفس الوقت ستنسحب قيادات "افلام" التي أفلتت من السجن إلى السنغال في مرحلة أولى لمواصلةنضالها حيث ستجد من بين صفوف أقصى اليسار السنغالي من يساند قضيتها.
وبرمي هؤلاء في السجن والتضييق عليهم وانسحاب أولئك، سيتصور النظام أن المشكلة قد وجدت حلا وأن "صرخةالزنجي المضطهد" كانت مجرد ترف فكري يهلوس به مثقفون باحثون عن الشهرة والمناصب، من دون أن يتوقع أنأكثر المراحل قتامة في فترة حكمه قد بدأت للتو.
الانقلاب الفاشل
لن يطول الانتظار طويلا قبل أن يكتشف ولد الطايع أن سلطته ذاتها مهددة وأن ضباطا وضباط صف من الزنوجيستعدون للانقلاب عليه. وفي صبيحة يوم الخميس 22 أكتوبر 1987 ستبدأ حملة اعتقالات واسعة في صفوفالعسكريين الهالبولار في نفس اليوم الذي حددوه لتنفيذ انقلاب عسكري يهدف بالنسبة لمخططيه إلى "إعادةالتوازنات العرقية المفقودة"، وبالنسبة للسلطة إلى "تخريب الممتلكات وتقتيل المواطنين".
ستبدأ الاعتقالات بطريقة سرية حيث سيتم استدعاء المتهمين إلى قياداتهم وإرسالهم إلى قيادة الأركان للمثول أماملجنة تحقيق. وبعد اعتقال حوالي خمسين عسكريا، سيعلن المقدم جبريل ولد عبد الله، وزير الداخلية، مساء 28 أكتوبر 1987 عبر وسائل الإعلام الرسمية، اعتقال مجموعة من العسكريين كانت تخطط للانقلاب على السلطة. وستتواصل الاعتقالات لعدة أيام لتطال وزير الداخلية الأسبق العقيد آن آمادو بابا لي، بعد الحصول على اعترافاتتشير إلى أن الانقلابيين متفقون على تعيينه رئيسا للدولة.
وشنت السلطة حملة شرسة ضد الانقلابيين واصفة إياهم بالجناح العسكري لحركة افلام "الذي كان ينوي إقامةدولة "الوالو والو" وارتكاب مجازر ضد السكان من ذوي الأصول غير الزنجية". وروجت بأن المعتقلين اعترفوابالجرائم التي كانوا سيرتكبونها، وأن البلاد بفضل يقظة الأجهزة الأمنية نجت من حرب أهلية مدمرة.
التحقيقات والمحاكمات
ميدانيا كانت لجان التحقيق تضيق الخناق على ضباط شباب وضباط صف وجدوا حلمهم ينهار فجأة بعد أن كان قابقوسين أو أدنى من التحقق. لجنة التحقيق على مستوى قيادة الأركان يقودها النقيبان محمد ولد الهادي ومحمد ولدمكت، وعلى مستوى قاعدة اجريدة –التي تحولت إلى سجن للمتهمين- يقود التحقيق الرائد انجاغا دينغ والنقيباحمد ولد امبارك. ولم تدم التحقيقات أكثر من أسبوعين حصل خلالهما المحققون على ما يبحثون عنه مناعترافات.
كانت المحكمة جاهزة للانطلاق في قاعدة اجريده يوم 18 نوفمبر برئاسة العقيد الشيخ ولد بيده وعضوية النقيبينالعربي ولد محمد محمود وبابي حسينو، وتمثلت التهم في "المساس بأمن الدولة وتخريب الممتلكات وتقتيلالمواطنين". قبل يومين كان قد طلب من المعتقلين اختيار محامين للدفاع عنهم وسمح لهم بالاتصال بهم. لم تكنتلك مهلة كافية لتحضير المرافعات، غير أن مكتب الهيئة الوطنية للمحامين برئاسة النقيب محمد شين ولد محمادوكان غنيا بالكفاءات الجاهزة للتطوع في مثل هذا الوقت.
خصصت المحكمة يومها الأول لقراءة التهم بعد صراع مع الدفاع حول وجود فريق من التلفزة الوطنية جاء بهدفتسجيل وقائع المحاكمة، وتم حسم الصراع في النهاية لمصلحة الدفاع بعد أن طلب من الفريق الصحفي مغادرةالقاعة التي أغلقت أمام المدنيين.
وفي اليوم الثاني فجر النائب العام العسكري النقيب أحمد ولد بكرن مفاجأة من العيار الثقيل حين طالب بإعدام 11 متهما، مركزا مرافعته على البرهنة على وجود الانقلاب وعلى طابعه العنصري وعلى أن من خططوا له هم جناحعسكري لحركة "افلام".
كان المتهمون الــ 51 مكدسون في الجانب الغربي من قاعة الجنود التي تستضيف المحكمة. ومع أنهم كانوا يدركونحجم المخاطر المحدقة بهم، إلا أن أيا منهم لم يتصور أن يكون الإعدام هو ما ينتظره بالنظر إلى أنه تم اعتقالهمقبل الشروع في تنفيذ الانقلاب.
وطوال أسبوعين سيكافح الدفاع باستماتة منقطعة النظير من أجل انتشال من يمكن تخليصهم من حبل المشنقة،مركزا على عدم تبرير طلب الإعدام بناء على المادتين 83 و84 من المدونة الجنائية وعلى أن الانقلاب لم يكن ليعتبرمساسا بالأمن الوطني في حالة نجاح منفذيه في الوصول إلى السلطة.
وفي يوم 3 دجمبر سقط الحكم غير القابل للاستئناف كالصاعقة على الانقلابيين وعلى هيئة الدفاع. فرغم أن طلباتالنائب العام كانت مؤشرا قويا على نية النظام التعامل بقسوة مع الملف، إلا أن السماح لسجناء حركة "افلام" فيالسجن المدني بلقاء ذويهم لأول مرة بالتزامن مع انطلاقة محاكمة العسكريين، تم تفسيره بأنه قد يكون مؤشرا علىعزم ولد الطايع الجنوح إلى التهدئة وأن ذلك سينعكس على الأحكام الصادرة. وهو ما لم يكن دقيقا بالمرة بالنظر إلىقساوة الأحكام:
3 أحكام بالإعدام؛
18 حكما بالسجن المؤبد مع الأشغال الشاقة؛
9 أحكام بالسجن 20 سنة مع الأشغال الشاقة؛
5 أحكام بالسجن 10 سنوات مع غرامة 300 ألف أوقية؛
3 أحكام بالسجن 5 سنوات مع غرامة 300 ألف أوقية؛
6 أحكام بالسجن 5 سنوات مع وقف التنفيذ؛
تبرئة 7 متهمين.
وينقل أحد الضباط المدانين بالضلوع فى تك المحاولة وهو بوي آلاسان هارونا –مؤلف كتاب: "كنت في ولاته"- أنالعقيد آن آمادو بابالي الذي تمت تبرئته عجز عن كفكفة دموعه التي سالت بغزارة فوق خديه، بينما أظهر الثلاثةالمحكوم عليهم بالإعدام الكثير من عدم الاكتراث واستمروا في الحديث مع رفاقهم من دون أن يظهر عليهم أيتأثر..
لكن الوقت لم يعد للثرثرة حين يتعلق الأمر بحكم للإعدام قابل للتنفيذ في أية لحظة. تم الاتفاق مع المحامين علىتقديم التماس عفو إلى الجهات المختصة، قبل أن يعزل الثلاثة كل في زنزانة.
الليلة الأخير للضباط الثلاثة
في مساء 4 دجمبر طلب الملازم با صيدي تحويله من زنزانته الانفرادية، فنفذ سجانوه آخر رغبة له ليتمكن من صياميوم 5 دجمبر بين مجموعة من رفاقه. وفي مساء نفس اليوم طلب الملازم صار آمادو لقاء رفيقه الملازم بوي هاروناليقدم له ساعة يده كهدية وليخبره بأنه شاهد قبل قليل من نافذة زنزانته شاحنة تحمل أعمدة خشبية ومجموعة منالحبال مما يعني أن حكم الإعدام سينفذ فيه مع زميليه صباح الغد.
حاول الملازم بوي صرف انتباه رفيقه عن التفكير في "إعدام لا يمكن أن ينفذ"، إلا أن الواقع كان أكثر عنادا من كلالتفسيرات المتفائلة.
فهل تعمد السجانون إظهار أدوات الإعدام من أجل إشعار السجناء بأن ساعتهم قد أزفت؟ وأيهما أفضل: أن تتركالسجين يستفيد من حظوة الشك؟ أو أن تجعله يدرك ما هو مقبل عليه؟ مهما يكن فقد امتلك الملازم صار –وهويتأمل قدره وحيدا في زنزانته تلك الليلة- الإجابة على هذا التساؤل وإن لم يجد الوقت للبوح بما توصل إليه لرفاقهالذين لن يقتنعوا بتنفيذ حكم الإعدام عليه إلا مساء التاسع من دجمبر حين سيلتقون بسجناء حركة "افلام" داخلالشاحنة التي ستقل الجميع إلى قلعة ولاته.
رحلة ولاته
يتذكر المرشح الرئاسي السابق صار إبراهيما بعض تفاصيل الرحلة إلى سجن ولاته والمعاناة التي سيعيشها قادة"افلام" جنبا إلى جنب مع العسكريين قائلا: "رغم كوني صحفيا وكاتبا لم أتمكن من تناول القلم من أجل سرد تلكالوقائع.. ربما أتمكن -مع الزمن- من تذكر تلك الشاحنة الجرارة التي تم شحننا فيها كقطيع من الماشية لقطعالمسافة بين نواكشوط والنعمة وولاته على سطح الحوض مباشرة حيث نقضي حاجاتنا الإنسانية الطبيعية، ربماسأتمكن من تذكر أغلال الحديد في أقدامنا ونحن نسير على الهضبة المؤدية من القلعة إلى قرية ولاته حاملينحاويات الماء تحت شمس تتجاوز حرارتها 40 مئوية، وخناجر البنادق في ظهورنا؛ ربما أتمكن من تذكر مشهد تنيوسف غي، وجيغو تبسيرو، وعبد القدوس با، وبا الحسن عمر يحتضرون قبل موتهم من جراء سوء التغذية وسوءالمعاملة، أو الأستاذ ابراهيم أبو صال وهو يتعرض للضرب حتى سالت دماؤه بسبب احتجاجه على الوضعية التيوضعنا فيها، ربما استعاد سمعي كل ذلك السباب الذي كان يوجهه لنا سجانونا وهم يصفوننا بشتى الأوصاف، يهود.. كفار.. إلخ.. ربما أتمكن من ذلك..".
وليس هناك بالطبع من يستطيع تذكر المأساة أفضل من صحفي بارع عايش تفاصيلها واكتوى بنارها.. فحين يتلطخالتاريخ بأدران الحاضر وتصبح القوة الغاشمة اللغة المستخدمة في فهم المطامح والصراعات السياسية، تتحولالذكريات إلى بؤر ألم يجد كل طريقته الخاصة لمقاربتها، لكن الجميع –للأسف- لا يتعاملون معها بهدف محاصرتهاومعالجتها.
خلفيات الانقلاب ودوافعه
هكذا إذا اختار ولد الطايع التصعيد وضرب معارضيه بيد من حديد، لإخماد ثورة المثقفين وتمرد العسكريين. فكيفتمكن الثنائي ولد الطايع وولد عبد الله من القضاء على الحركة في مهدها؟
رغم أن ضابط الصف عصمان صار جازم بأن الشعور بالظلم الناجم عن اعتقال قيادات حركة "افلام"، كان الدافع وراءالقيام بالانقلاب، إلا أن الحركة وبوي هارونا ينفون أية صلة الحركة بالمنظمة العسكرية السرية التي تأسست سنة1985 من طرف 6 ضباط من بينهم با عبد القدوس، سي صايدو با صيدي وصار آمادو.
فقد كانت الوضعية التي يعيشها العسكريون الزنوج داخل الجيش أكثر من كافية لإثارة النقمة، إذ أن العنصرية كانتقد تغلغلت فيه لدرجة أن اكتتاب الزنوج أصبح يتم وفق جرعات محسوبة، وتضاعفت العراقيل أمام ترقيتهم ومنعوامن الحصول على التدريبات. وكان إدخال العربية سنة 1987 كمادة إجبارية في امتحان الحصول على رتبة نقيب،القطرة التي أفاضت الكأس فعجلت بتحديد تاريخ الانقلاب.
وجدت المنظمة الوليدة نفسها في منتصف سنة 1987 أمام خيارين: إما أن تستمر في بناء قوتها تدريجيا إلى أنتصبح مستعدة بشكل كامل لانتزاع السلطة، أو أن تفرض نفسها كشريك لا يمكن تجاهله في حالة حصول أزمة تدفعإلى انهيار السلطة، وإما أن تراهن على ما راكمته من قوة وتتحرك باتجاه السلطة لأخذها.
وكان أن تضافرت جملة عوامل شجعتها على تبني الخيار الثاني.. فقد شعرت المجموعة الانقلابية بأنها أصبحت قوةمعتبرة داخل الجيش، وتأكدت عن قرب من هشاشة الاحتياطات الأمنية في جميع المراكز الحيوية لمدينة نواكشوط،كما أن استمرار اعتقال قيادات "افلام" والمعلومات المتداولة حول ما يتعرضون له من سوء معاملة، جعلت الرأيالعام الزنجي بشكل عام مهيأ لدعم أي تحرك انقلابي.
ومن جهة أخرى، كان عامل المفاجأة يعمل لمصلحة الانقلابيين وكانوا على وعي كامل بسهولة تحييد التشكيلاتالعسكرية المتواجدة في نواكشوط التي يحتل بعضهم فيها مواقع حساسة. هذا بالإضافة إلى "الرد المشجع منطرف العارف ب"الأسرار الغيبية" (الحجاب) على الاستشارة التي طلبوا بشأن حظوظ نجاح المشروع الانقلابي". كانكل شيء إذا يغري بالتقدم نحو القلعة لدك حصونها.
سوء التقدير والانكشاف المفاجئ
يعتقد ضابط الصف عصمان صار –الذي شارك في الاجتماع المخصص لتحديد تاريخ الانقلاب مع الضباط ممثلالضباط الصف- أن تحديد موعد الانقلاب والثقة المفرطة في حتمية نجاحه، جعلا المشاركين فيه يخرجون عنتحفظهم ويحتفلون بالفوز قبل خوض المعركة مما حرمهم حتى من وضع خطة لما بعد الانقلاب ولا حتى للتعاملمع وضع طارئ مثل اكتشاف أمرهم قبل التنفيذ. أما الملازم بوي هارونا فإن كان يشاركه في ملاحظة غياب مثل تلكالخطة إلا أنه يحمل فشل الانقلاب لثلاثة ضباط زنوج لا يريد حتى الآن البوح بأسمائهم.
أحد هؤلاء الضباط وصل إلى نواكشوط في زيارة مفاجئة مكنته من انتزاع اعتراف بقرب تنفيذ الانقلاب من أحدأصدقائه، وقبل رحيله إلى مقر عمله زار القصر الرئاسي لبعض الوقت. ومع أن التحرك كان وشيكا فقد انتظر ولدالطايع يوم 21 أكتوبر ليطلب من قائد الأركان العقيد أحمد ولد منيه تنظيف بيته من انقلابيين يستعدون للانقضاضعليه في اليوم الموالي، فكان على الأخير إجراء تحريات سريعة ستمكنه من السيطرة على الوضع لكن ليس قبل أنيتواجد المشتبه بهم في أماكن عملهم صبيحة يوم 22 أكتوبر.
صرامة النظام وتداعياتها الوطنية
هل كانت صرامة ولد الطايع الطريقة الأمثل لمواجهة هذا الملف؟ هل كان يواجه خطرا زنجيا؟ أم أنه هو من خلقهذا الخطر؟
سيظل هناك من يعتقدون أن الرجل واجه تمردا متناميا فرض عليه التعامل معه بالكثير من الصرامة، غير أنالأحداث اللاحقة والنتائج التي أسفر عنها تسييره للملف لا تترك مجالا للشك في أننا أمام نظام ضحى بوحدة الشعبللاستمرار في السلطة. فمن شرارة صغيرة في شكل بيان صاغه بضعة مثقفين، تمكن هذا النظام تدريجيا من إضرامالنار في مختلف أرجاء الوطن.
وقد مثلت التصفيات من الإدارة والجيش التي بدأت سنتي 86 و 87، مؤشرا قويا لتوجه سيستمر لسنوات وسيأخذطابعا أخطر سنة 1989 مع تحويل كامل الضفة إلى منطقة عسكرية مراقبة، وبدء ارتكاب المجازر والتنكيل والإذلال.
ولتعميق الانقسام بين مكونات الشعب تم استخدام سلاح الشائعات، لحشو الوجدان "البيظاني" بكل ما يمكنتصوره من الأساطير المنسوجة حول الخطر الهالبولاري أولا ثم الزنجي لاحقا. وقد آتت تلك السياسة أكلها وإناستخدمت أحيانا بغباء منقطع النظير، كالترويج لفكرة أن الانقلابيين الهالبولار كانوا يخططون لإقامة دولة "الوالووالو" التي هي في الأصل إمارة ولفية لا تعني شيئا في المخيال الهالبولاري! أو أنهم كانوا يخططون لارتكاب مجازر فيحق المواطنين البيظان من أجل إقامة دولتهم الخاصة بهم، بينما الوقائع تشير إلى أنهم كانوا ضمن تحالف يضمعناصر من شريحة لحراطين، غير أن السلطات لم تعط أهمية لمشاركة عناصر من الحراطين في الانقلاب بل اكتفتبانتهاج سياسة متشددة إزاء الزنوج قادت فيما بعد إلى أحداث 1989/1991.
لقد كانت مصلحة النظام الآنية تقضي بإخراج مدبري انقلاب 87 من دائرة الوطنية واستغلال مغامرتهم لتعميقالشرخ بين مكونات الشعب، رغم أنهم كشفوا عن حس وطني رفيع خلال محاكمتهم، وأن خيبة أملهم كانت عارمةحين استطاع النظام تحجيم ثورتهم على الظلم، وإظهارهم أمام مواطنيهم بمظهر العنصريين. وقد كان الملازم صارآمادو أفضل من عبر عن ذلك الحس الوطني وخيبة الأمل تلك حين خاطب المحكمة في كلمته الأخيرة أمامها قبل أنتحكم عليه بالإعدام قائلا: "إذا كان رأسي يستطيع خدمة الوحدة الوطنية فلا تترددوا في قطعه.. وإذا كان شخصيبإمكانه خدمة الوحدة الوطنية فألتمس منكم العفو"..
وطن ينزف
لكن الوقت لم يكن للإنصات لنداء الضمير ولا لصوت الحكمة، لأن فيروس الحقد العرقي كان قد بدأ يسيطر علىالجسد. ولن يفيق النظام من سكرته قبل 7 مارس 1991 (تاريخ إطلاق سراح المعتقلين) لكن بعد فوات الأوان وحينلم يعد الأمر يتعلق بشخص الملازم صار ولا برفيقيه فحسب، بل بمئات القتلى وآلاف المرحلين ومئات آلاف الضحايا،أي بوطن ينزف دما ويتضور ألما.
من انقلاب الضباط إلى جرح الأمة
لقد كشف انقلاب 1987 عن أزمة ثقة وطنية عميقة بين الدولة ومواطنيها الزنوج، وعن فشل الطبقة السياسية في استيعاب التنوع الموريتاني في إطار العدالة والمواطنة.
وحين دخلت البلاد سنوات 1989–1991، كان الجرح قد تحول إلى نزيف مفتوح.
لم يكن ما حدث مجرد صراع سياسي، بل بداية انهيار عقد اجتماعي هش، وتحوّل الهوية إلى سلاح.
إن تلك السنوات السوداء لم تضع أوزارها بعد، لأن التاريخ لا يُشفى بالنسيان، بل بالاعتراف والإنصاف والمصالحة الصادقة.
تنبيه تحريري:
نُشر هذا التحقيق لأول مرة في موقع «أقلام» سنة 2011 ضمن ملف خاص عن انقلاب 1987، وهو يُعاد نشره اليوم في سياق السجال الوطني الراهن حول تسوية ملف الإرث الإنساني، تذكيراً بمرحلة مفصلية من تاريخ موريتانيا الحديث، واستحضاراً لضحايا تلك الحقبة وما خلّفته من ندوب في الذاكرة الجماعية.
إعادة النشر لا تأتي بغرض الإدانة أو التبرير، بل من أجل الفهم والمصالحة والاعتراف، حتى لا تتكرر المآسي التي فرّقت بين أبناء الوطن الواحد.
ملف خاص من إعداد "أقلام"



.jpeg)

.jpeg)