
كانت البعوضات تدخل دون استئذان، كضيوف وقحين في ليل خانق. كان طنينها الرفيع والمُلحّ يمنع العروسين من النوم. لكن، في الحقيقة، لم تكن تلك الحشرات وحدها ما يعكر صفوهما. ففي تلك الشقة الغارقة في الظلام، كانت هناك آفات أخرى غير مرئية استقرت منذ زمن طويل: الديون، والصمت، والندم.
منذ أسابيع، وربما منذ أشهر، لم يعودا يتحدثان كثيرًا. الكلمات التي كانت يومًا ما لطيفة ومتواطئة أصبحت نادرة، جافة، وأحيانًا حادة. كان الهاتف يبقى صامتًا في كثير من الأحيان، وكأنه هو أيضًا أدرك أن الأحاديث لم تعد تحمل الدفء نفسه.
شيئًا فشيئًا، بدأت الهواتف نفسها تعيش تحت وطأة الرموز وكلمات المرور. شاشات مقفلة، رسائل مخفية، ومكالمات تُنهى بسرعة. تلك الاحتياطات التي بدت في البداية عادية، صارت تغذي الشكوك وتؤجج الاتهامات. لم يعد أي منهما يلعب حقًا لعبة الصدق في المشاعر. كان كل واحد منهما ينكمش على نفسه، محاصرًا بصمته وأسراره.
في تلك الليلة، كان انقطاع الكهرباء قد استمر أكثر من ساعتين. كانت الشقة غارقة في ظلام كثيف، وكأن كل واحد منهما سجين أفكاره. وحدها الإضاءة الخافتة لشاشات هواتف الآيفون كانت تكشف بعض الظلال.
كان هو جالسًا في زاوية الغرفة، يشعر بثقل ديونه يضغط على صدره. لم يعد يجرؤ على المرور أمام محلات الحي. نظرات التجار كانت تحرق كرامته، وكأنها تذكّره في كل خطوة بالوعود التي لم يستطع الوفاء بها. صار يخرج مبكرًا جدًا ويعود متأخرًا جدًا ليتجنبهم. أما فواتير الماء والكهرباء فكانت تتراكم.
أما هي، فكانت تبقي هاتفها مطفأ معظم النهار. ليس بدافع الحذر، بل تعبًا من سماع التذكيرات والانتظارات. ومع ذلك، كانت هي نفسها من ضاعفت المشتريات بالدَّين من أجل المظاهر: حليّ لامعة، أغطية رأس أنيقة، أحذية فاخرة وحقائب يد باهظة. في معظم محلات الرفاهية، أصبح اسمها مدونًا بين المتعثرين في السداد، كأنه كُتب بحبر الفضيحة.
كانت البائعات يقبلن بذلك، لأن بضائعهن لا تجد من يشتريها إلا في المناسبات الكبرى: الأعراس، والختان، والأعياد، وتلك السهرات الطويلة بين النساء حيث تحاول كل واحدة أن تتألق أكثر من الأخرى.
لكن الآن، انتهى الاحتفال.
لقد فقد عمله للتو، كما كانت العرافة قد أخبرته قبل الزواج. فهل أعماه اندفاع الشباب، أم أنه ببساطة رفض أن يصدق بقدرات بعض القوى الغامضة؟
وفي صمت الليل الثقيل، مع انقطاع الكهرباء، بدت الحقيقة واضحة بشكل مؤلم. الحب الذي جمعهما بدا فجأة هشًّا، كطلاء لامع تشققه الشمس مع الزمن فيفقد بريقه.
الأصدقاء الذين كانوا يتصلون به سابقًا لم يعودوا يفعلون ذلك. عائلته، التي أبعدتها توترات العلاقة بين الزوجين، لم تعد هي الأخرى تطرق بابهم.
ثم هناك هذا الحي.
لم يكن من تلك الأحياء الشعبية حيث تستمر الحياة بين الأبواب المفتوحة. هناك، يمكن أن تأكل عند الجار دون دعوة، وتستعير سيجارة من عابر، أو تطلب قليلًا من الملح من البيت المجاور، أو تملأ دلوك من أول صنبور ماء.
أما هنا، في هذا الحي الراقي الذي اختارا السكن فيه ليبدوا أكبر مما هما عليه، فكان كل شخص يعيش خلف جدرانه. نظرات متجنبة، أبواب مغلقة، وصمت مهذب. إنه مملكة كلٍّ لنفسه، خصوصًا عندما يريد الجميع أن يظهروا بمظهر الاكتفاء.
لم يعد شيء يشبه ما حُلِم به. صار كل شيء ثقيلًا، معقدًا، يكاد لا يُحتمل.
لذلك كان عليه أن يقاتل: يقاتل حتى لا يعود إلى الوراء، يقاتل حتى لا يخفض عينيه أمام مجتمع لا يقيس القيمة إلا بالمال.
يقاتل ضد البعوض الذي يستغل الظلام ليهاجم بلا توقف. ويقاتل، قبل كل شيء، ضد الحياة، وضد العار، وضد خوف الغد.
في تلك الشقة الغارقة في الظلام، بدا زواجهما كقارب متعب تتقاذفه أمواج بحر هائج. بين الغضب واللوم والندم، كان الزوجان يتمايلان بخطر، باحثين عن شاطئ يرسوان عليه ما تبقى من آمالهما.
شينه



.jpeg)

.jpeg)