إصلاح سوق المحروقات.. ما هي الخيارات المطروحة لتخفيف الأسعار؟

بعد التوقف عند مقارنة أسعار المحروقات في موريتانيا مع بعض دول الجوار، ثم استعراض الرسوم والأعباء المدرجة ضمن هيكلة الأسعار، يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: ما هي الإصلاحات التي يمكن أن تسهم فعلياً في خفض الأسعار التي يدفعها المستهلك عند المضخة؟

تتجه معظم المقترحات المقدمة من الخبراء في المجال إلى مراجعة العناصر التي ترفع تكلفة المنتج النفطي قبل وصوله إلى المستهلك النهائي، سواء تعلق الأمر بهوامش الموردين أو بالرسوم المختلفة المضافة إلى هيكلة الأسعار.

ومن بين أبرز النقاط المثارة في هذا السياق مسألة هوامش الأرباح الممنوحة للمورد الرئيسي للمحروقات. فوفقاً للمعطيات المتداولة، ارتفعت هذه الهوامش خلال السنوات الأخيرة إلى مستويات تفوق بكثير تلك التي كانت مطبقة في العقود السابقة، وهو ما دفع بعض المتابعين إلى المطالبة بإعادة النظر في شروط التعاقد عند انتهاء العقد الحالي نهاية العام الجاري.

كما يثار نقاش متزايد حول تمويل البنى التحتية الاستراتيجية الخاصة بالتخزين النفطي. فمشروع إنشاء خزانات تخزين جديدة بسعة 100 ألف طن متري، والمقدر بنحو 36 مليون دولار، تم إدراج جزء من تكلفته ضمن هيكلة الأسعار. ويرى عدد من المختصين أن مثل هذه الاستثمارات طويلة الأمد كان يمكن تمويلها عبر آليات أخرى دون تحميل المستهلك أعباء إضافية على سعر الوقود.

وتشمل المطالبات أيضاً مراجعة الرسوم المرتبطة بخدمات التخزين والتحويل التي تقدمها الشركة الموريتانية لإدارة المنشآت البترولية (GIP)، والتي تتجاوز عائداتها السنوية خمسة مليارات أوقية قديمة وفق الأرقام المتداولة.

كما يدعو بعض الفاعلين بالقطاع إلى إعادة تقييم الرسوم المدفوعة لشركة SOMIR مقابل مراقبة جودة المنتجات النفطية وإجراء التحاليل الفنية، فضلاً عن مراجعة رسوم التنظيم المخصصة للجنة الوطنية للمحروقات، والتي تدر أكثر من مليار أوقية قديمة سنوياً.

وتشمل المقترحات كذلك إعادة النظر في بعض الضرائب والرسوم المحلية المفروضة على المحروقات، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية والضغوط المتزايدة على القدرة الشرائية للأسر.

إلى جانب ذلك، يطرح عدد من الخبراء مسألة تعزيز المنافسة داخل سوق التوريد النفطي. ففي الوقت الذي تعتمد فيه دول مجاورة على عدة موردين لتأمين احتياجاتها من المحروقات، يظل السوق الموريتاني محدود المنافسة نسبياً، وهو ما قد يؤثر على مستوى الأسعار والعروض المقدمة.

ويرى أصحاب هذا التوجه أن مراجعة بعض الشروط الفنية والمالية الواردة في دفاتر الالتزامات الخاصة بالمناقصات قد تسمح بجذب عدد أكبر من الشركات الدولية، وبالتالي الحصول على عروض أكثر تنافسية.

ومن بين الأفكار المطروحة أيضاً إخضاع نتائج المناقصات لمراجعة إضافية على مستوى حكومي أوسع، للتأكد من انسجام الأسعار المقترحة مع المعايير المعمول بها في الأسواق المشابهة داخل المنطقة.

كما تتزايد الدعوات إلى تعزيز الشفافية في قطاع المحروقات من خلال نشر تفاصيل هيكلة الأسعار بشكل دوري، بما يسمح للرأي العام بفهم مكونات السعر النهائي وتحديد الأعباء التي يمكن مراجعتها أو تخفيضها.

وفي نهاية المطاف، لا يتعلق ملف المحروقات بأسعار الوقود وحدها، فتكلفة الطاقة تنعكس مباشرة على النقل والإنتاج وأسعار المواد الغذائية والخدمات، ما يجعل أي إصلاح في هذا القطاع ذا تأثير واسع على الاقتصاد الوطني ومستوى معيشة المواطنين.

ويبقى الرهان الأساسي في إيجاد توازن بين ضمان أمن التموين واستدامة الاستثمارات من جهة، وحماية القدرة الشرائية للمستهلكين من جهة أخرى، في ظل بيئة دولية ما تزال تتسم بالتقلب وعدم اليقين.

 

خميس, 11/06/2026 - 13:19