
تشكل ظاهرة الغش في الامتحانات إحدى الظواهر التي تحتاج إلى معالجة أعمق من مجرد المعالجة بالعقوبة وبالتدابير الأمنية.
وفي سياق السعي للتعامل مع الظاهرة أعلنت وزارة التربية انها اعتمدت هذا العام حزمة من الإجراءات للحد من الغش، شملت الحرمان من دورة الامتحان الحالية، مع إمكانية الحرمان من دورات لاحقة في بعض الحالات، إلى جانب التوزيع العشوائي لرؤساء المراكز والمراقبين، وقطع خدمة الرسائل النصية القصيرة (SMS) لأول مرة خلال فترة امتحانات الباكالوريا.
وهذه إجراءات مهمة وضرورية للتخفيف من ظاهرة الغش في الامتحانات.
والغش في حقيقته ظلم وتعدي
لأنه يخول صاحبه مكاسب لم يحققها بالطرق المشروعة وقد حرمت الشريعة الغش وحذرت منه.
قال تعالى: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾
وورد في الحديث الشريف:«مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا، وَالْمَكْرُ وَالخِدَاعُ
فِي النَّارِ».
يقول أبو قدامة المصري في ذم الغش:
أَرَى الـغِـشَّ فِـي مَعْـهَـدِ الـعِـلْـمِ بَـادِي ... فَـيَـا وَيْـحَ قَـوْمِي وَيَـا لَـلْـفَـسَـادِ!يَـنَـالُ الشَّـهَـادَةَ مَـنْ لَـمْ يَـجُـدَّ ... وَيَـبْـقَى الأَمِـيـنُ أَخُـو الاجْـتِـهَـادِ فَـمَـا صَـارَ لِـلْـعِـلْـمِ مِـنْ قِـيـمَـةٍ ... إِذَا كَـانَ بِـالـغِـشِّ نَـيْـلُ الـمُـرَادِ
بين تطبيق الحدود ومحاربة الغش
يوجد بعض التشابه بين تطبيق الحدود ووسائل مكافحة الغش فهدفهما الأساسي هو الردع وحفظ الحقوق، أو لنقل هما بمثابة السياج الذي يحمي من التعدي على الحقوق.
لكن تطبيق الحدود مثلا ليس هدفا في حد ذاته فهو مكمل لبناء مجتمعي متكامل أساسه نشر العدل وتأمين الحياة الكريمة بإنصاف ومساواة، وفق نظرة مقاصدية تراعي الأحوال والمآلات.
فالعلماء يرون أن مقاصد الشريعة الكلية تتمثل في تحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير الحياة الكريمة. وتعد إقامة العدل وتأمين أساسيات الحياة للناس شرطا جوهريا لضمان التطبيق العادل للحدود، وفقا لعدد من القواعد والضوابط الفقهية، أبرزها درء الحدود بالشبهات، فالشريعة تعتبر أن العقوبات تسقط عند أدنى شبهة. فإذا حصل نقص في توفير العدالة الاجتماعية، أو حاجة وضرورة دفعت الإنسان للجريمة (كالسرقة من أجل البقاء)، فإن ذلك يعد شبهة قوية تسقط الحد.
ولعل هذا ما دعا بعض علمائنا الأجلاء إلى التحفظ على الطريقة والظروف التي طبقت بها الحدود في عهد الرئيس الأسبق محمد خونا ولد هيداله.وقد تركزت تحفظات واعتراضات العلماء، حسبما فهمت، في النقاط التالية:
- التركيز على العقاب المادي: كان انتقاد العلماء منصبا على مسارعة الرئيس الأسبق محمد خونا ولد هيدالة إلى تطبيق "الحدود الجنائية" بشكل متسرع، مع تجاهل للأولويات الأساسية للشريعة التي تسبق العقاب، مثل إرساء العدالة الاجتماعية، ونشر التعليم، وتوفير سبل العيش الكريم.
- غياب الشروط القضائية المعتبرة: رأى العلماء أن إقامة الحدود تتطلب شروطا معقدة وأدلة قاطعة لا تتوفر عادة في ظل نظام استثنائي ومحاكمات سريعة أشبه بالمحاكم العسكرية منها بالقضاء الشرعي المستقل.
وكذلك أدوات مكافحة الغش، لكي تكون عادلة ومنصفة يتعين، قبل تطبيقها، تأمين بيئة تربوية متكاملة: تطوير المناهج التربوية وإقامة بنى تحتية تستوفي المعايير العالمية وتحسين ظروف المدرسين والإداريين والطلاب ومقارنة الحالة التربوية عندنا مع الحالة التربوية في الدول الأخرى خاصة دول الجوار..
إن بناء منظومة تربية متكاملة هي الأساس العادل ل"تطبيق الحدود" على ممارسة الغش..
فلا مجال لانفكاك الجهة بين محاربة الغش وإصلاح المنظومة التربوية..
تبذل الوزارة مشكورة جهوده طيبة في إصلاح المنظومة التربوية وفي مكافحة الغش وأتت ثمار هذه الجهود خاصة في رفع نسبة النجاح في الثانوية العامة/الباكلوريا حيث بلغت النسبة خلال السنة الماضية حوالي 25% وهي نسبة لم تسجل في تاريخ المسيرة التعليمية في بلادنا قبل السنة الماضية.
ومع ذلك فإن هذه النسبة تبقى متدنية خاصة إذا ما قورنت بنتائج بعض الدول الأخرى في الجوار وخارجه كما يتضح من الأرقام التالية:
نسبة النجاح في الباكلوريا في بعض الدول العربية والافريقية خلال العام الدراسي 25-26:
الكويت 82%
قطر 82.24%
البحرين 96%
سلطنة عمان 81%
الإمارات 87- 94%
تونس 35.6%
المغرب 64.8%
الجزائر 51.57%
مالي 35.67 %
أما السنغال وساحل العاج وفرنسا فيبدو أن النتائج لم تنشر بعد لكن نتائج السنة الماضية تعطي مؤشرا جيدا عن نتائج السنة الحالية:
السنغال 47.6%
ساحل العاج 40.15%
فرنسا 91%
على ضوء هذه النتائج فإن السؤال الذي ينبغي أن تتوقف عنده الوزارة وكل الجهات المعنية بالعملية التربوية هو:
لماذا يتراوح معدل نسبة النجاح في جوارنا الإفريقي بين 40- 50% وفي الجوار المغاربي يتراوح بين 50-60% وفي المشرق والخليج يتراوح بين 80-90% بينما النسبة عندنا في حدود 25%؟
ولنضع السؤال بصورة أكثر تحديدا: إذا كان عدد المتقدمين للباكلوريا بلغ هذا العام 64 الف، حسب الأرقام المعلنة، ونسبة النجاح في أفضل احوالها قد تكون ما بين 25-30% فإن عدد الناجحين سيقارب عشرين ألف طالب.
فما هو مصير 44 ألف طالب المتبقين؟.
قد نقول إن بعضهم سيحاول المرة تلو الأخرى وقد تنجح منهم نسبة قد لا تكون كبيرة وتبرز هنا مشكلة أخرى هي أن الطلاب عندنا يبلغ بعضهم 25 سنة قبل الحصول على شهادة الثانوية العامة، فيواجهون مشكلة التسجيل في الجامعة كما حصل في سنوات خلت، بينما في العالم الآخر يحصل الطالب على البكالوريوس وعمره 22 سنة وربما اقل وقد يحصل بعض الطلاب على الدكتوراه وعمره لم يتجاوز 25 سنة.
ألا يستحق هذا الموضوع الدراسة والتأمل؟
هل الأمر يتعلق بضعف الأداء التربوي أم بالبيئة العامة ؟ أم بضعف استيعاب الطلاب؟
علما أن الطلاب الموريتانيين عرفوا بالتمييز في الجامعات التي درسوا فيها في جميع أنحاء العالم.
لا نقول هذا الكلام لتحميل القائمين على المنظومة التربوية مسؤولية تدني نسبة النجاح في بلدنا فهذه حالة متراكمة منذ عقود وإخفاقات ليست وليدة الفترة الحالية لكنها معضلة تحتاج إلى علاج جذري.
وبقدر ما تمثل مكافحة الغش إحدى وسائل العلاج فإنها لا تكفي وحدها فقبل محاربة الغش بالوسائل الأمنية والعقوبات يتعين معالجته في سياق أشمل فما أسهل إيقاع العقوبات وما أيسر استخدام الوسائل الأمنية.
يقول الإمام سفيان الثوري:
(إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة ، فأما التشديد فيحسنه كل أحد).
فكيف نريد من الطالب أن يلتزم بعدم الغش في الاختبارات ولم تسعفه المناهج التعليمية بالزاد التربوي المناسب؟
وكيف نريد من الطالب ألا يغش وهو لم ير القدوة الصالحة في المدرسين والتربويين والإداريين؟ إلا من رحم ربنا..
وكيف نحرم عليه الغش وهو يراه في البيت وفي المعاملات اليومية بين الناس؟ إلا من رحم ربنا..
وكيف نلومه إذا غش وهو يسمع عن حكايات بعض المسؤولين الذين اتهموا بالإثراء من المال العام دون مساءلة ولا حساب ولا عقاب؟
فهل كنا جميعنا مثالا حسنا في السلوك والأخلاق والصدق في الأقوال والأفعال حتى يقتدي بنا الأبناء؟
فالمسار طويل وشاق لنغرس في نفوس أبناءنا القيم الإسلامية والأخلاقية التي تحيي الضمير وتجعل منه رقيبا على النفس دون الحاجة لعوامل الردع الخارجية.
فكما أن تطبيق الحدود هو آخر ما يلجأ إليه الحاكم- أو هكذا ينبغي- بعد بناء منظومة عادلة وتأمين الحياة الكريمة للجميع فكذلك يجب بذل الجهد المطلوب لبناء المنظومة التربوية وإصلاحها في
كافة تفاصيلها بما في ذلك المنظومة المجتمعية، عندها قد لا نحتاج لكثير من الإجراءات الأمنية والردعية لمكافحة الغش،خاصة أن ما نشهده من عسكرة في مراكز الامتحانات لا نجده في دول أخرى فمثلا في دول الخليج تمر اختبارات الثانوية العامة كما لو كانت أياما من أيام الدراسة العادية.
ولعل من المناسب إعادة النظر في مصطلح الامتحان لاستبداله بمصطلح الاختبار، فربما يكون أخف نفسيا على الطالب.
وأرجو أن لا تفهم هذه السطور كما لو كانت دعوة للتساهل في محاربة الغش فقد أوردنا بعض النصوص الشرعية التي تحرمه وهو ظاهرة تستوجب المكافحة لكن في سياق أعم وأشمل يأخذ في عين الاعتبار توافر الشروط وانتفاء الموانع..
والله المستعان.



.jpeg)

.jpeg)