المعارضة... من أزمة الثقة إلى العجز عن التأثير

بعد مهرجانها الأخير في مقاطعة عرفات احتجاجًا على موجة غلاء الأسعار، تستعد المعارضة لتنظيم مهرجان جديد في مدينة نواذيبو. واختيار الزمان والمكان في العمل السياسي ليس تفصيلًا عابرًا، بل هو جزء من الرسالة ذاتها. فالمعارضة تسعى، من خلال هذا الحشد، إلى توجيه رسالة واضحة للنظام مفادها أنها ما تزال تمتلك القدرة على التعبئة، بعد سنوات من العجز الملحوظ عن تحريك الشارع في اللحظات السياسية الحاسمة، وهو النفوذ الذي بدأ يتآكل تدريجيًا منذ انقلاب 2005.

غير أن الواقع يشير إلى أن متغيرات عميقة أعادت تشكيل العلاقة بين المعارضة والمجتمع. فقد تراجع تأثيرها في دوائر صناعة القرار، كما انحسر حضورها داخل قواعدها الشعبية، ولا سيما في أوساط الشباب، الذين لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها مشروعًا حقيقيًا للتغيير، بل باعتبارها عنوانًا لأزمة ثقة متراكمة. فبعد أن انتهى المطاف بعدد كبير من رموزها وقياداتها في أحضان السلطة، ترسخ لدى كثيرين الاعتقاد بأن المعارضة أصبحت، في كثير من الأحيان، مجرد وسيلة لتحقيق مصالح سياسية أو شخصية، أكثر منها موقفًا مبدئيًا أو مشروعًا وطنيًا بديلًا.

وفي الوقت نفسه، فقدت أدواتها التقليدية معظم فاعليتها. فالخطابات الجماهيرية، والبيانات، والوقفات الاحتجاجية، لم تعد قادرة على منافسة التأثير المتصاعد لوسائل التواصل الاجتماعي، التي تحولت إلى المنبر الأول لصناعة الرأي العام واستقطاب الشباب، بعيدًا عن الأحزاب والتنظيمات السياسية الكلاسيكية.

يرى كثير من المراقبين أن المعارضة تعيش اليوم واحدة من أعقد أزماتها؛ فهي تعاني شيخوخة في القيادات، وجمودًا في الخطاب، وعجزًا عن إنتاج نخب جديدة أو بلورة مشروع سياسي يواكب التحولات المتسارعة التي يشهدها المجتمع. كما أن اتساع الفجوة بين الأجيال أفقدها أهم عناصر قوتها، وهو قدرتها على التعبئة واستنهاض الشارع.

بيد أن الأزمة لم تعد  تقتصر على صراع بين سلطة ومعارضة، بل أصبحت أزمة معارضة في مواجهة مجتمع تغيّرت أدواته وأولوياته وآليات تفاعله. وما لم تُراجع خطابها، وتُجدد قياداتها، وتستعد ثقة الشارع، فإنها ستبقى مجرد عنوان سياسي فاقد للتأثير، بينما ينتقل الفعل السياسي إلى الفضاء الرقمي، الذي ينجح في صناعة النقاش العام، لكنه يظل عاجزًا، حتى الآن، عن تحويل التفاعل الافتراضي إلى ضغط ميداني منظم، كما كان يحدث في تسعينيات القرن الماضي.

إن التحدي الحقيقي الذي تواجهه المعارضة اليوم لا يتمثل في ضعف قدرتها على تنظيم المهرجانات فحسب، بل في تغير سلوك المواطن نفسه. فقد أصبح الفرد أكثر استقلالية في التعبير عن مواقفه، وأكثر اقتناعًا بأن كتابة منشور ناقد للنظام عبر وسائل التواصل الاجتماعي أقل كلفة وأكثر جدوى من حضور مهرجان خطابي أو خوض مواجهة مباشرة مع قوات الأمن. وهذه المعادلة الجديدة أضعفت الفعل السياسي الميداني، ومنحت صناع القرار هامشًا أوسع لتمرير سياسات قد تثقل كاهل المواطنين، في ظل تراجع قدرة الشارع على ممارسة ضغط منظم ومستدام.

 

د. أمم ولد عبد الله

أحد, 05/07/2026 - 17:49