هجمات مالي المتزامنة.. من كيدال إلى أنفيس: استراتيجية تشتيت الجيش وإعادة رسم خطوط التماس

تكشف الهجمات التي شهدتها مالي اليوم عن تطور لافت في أسلوب عمل الجماعات المسلحة، سواء تلك المرتبطة بتنظيم القاعدة أو الفصائل الأزوادية المسلحة. فهي لا تبدو مجرد عمليات متفرقة تستهدف مواقع عسكرية معزولة، بل أقرب إلى نمط عملياتي مركب، يستند إلى توسيع رقعة الضغط، وتشتيت قدرات الجيش، وخلق بؤرة مركزية تدور حولها المعركة الأساسية.

بهذا المعنى، تستعيد هجمات اليوم منطق هجمات الخامس والعشرين من إبريل الماضي. ففي الحالتين، نحن أمام هجمات متزامنة تمتد من الشمال إلى الوسط، وتلامس محيط العاصمة أو نقاطا حساسة قريبة من فضائها الأمني. الهدف هنا لا يقتصر على إسقاط موقع عسكري بعينه، بل يتجاوز ذلك إلى إرباك منظومة القيادة والسيطرة، ودفع الجيش المالي وحلفائه إلى توزيع قواتهم على أكثر من جبهة في الوقت نفسه.

في هجمات إبريل، كانت كيدال هي المركز الرمزي والعسكري للعملية. فقد شكلت المدينة، بما تمثله من ثقل تاريخي في ذاكرة التمرد الأزوادي ومن موقع داخل آدرار إفوغاس، الهدف الأبرز. أما الهجمات على كاتي ومناطق أخرى في الوسط والشمال، فقد بدت وكأنها جزء من خطة أوسع لإشغال الجيش وفتح أكثر من ثغرة، بما سمح لجبهة تحرير أزواد بتوجيه الضربة الأهم نحو كيدال.

اليوم، تبدو أنفيس في موقع مشابه. فهي ليست مجرد نقطة عسكرية في شمال مالي، بل مركز متقدم على خطوط التماس حول كيدال، وواحدة من العقد التي تتحكم في الحركة بين مناطق النفوذ المتنازع عليها. لذلك، فإن تركيز المعارك حولها لا يبدو عرضيا. فبينما انخفض زخم الهجمات أو انتهى في غاو وسيفاري وكينيوروبا، بقيت أنفيس مسرحا للمواجهة الأشد، بما يوحي بأنها كانت الهدف الرئيسي للعملية، أو على الأقل إحدى غاياتها الميدانية الأكثر أهمية.

وتكتسب أنفيس أهميتها من كونها تقع في تخوم المجال الأزوادي، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع الرمزية السياسية. السيطرة عليها، أو حتى إظهار القدرة على تهديدها لفترة طويلة، يحمل رسالة مزدوجة: أولا، أن الجيش المالي لم ينجح في تثبيت سيطرته الكاملة على الشمال بعد استعادة بعض المواقع؛ وثانيا، أن الفصائل المسلحة ما تزال قادرة على المبادرة، لا مجرد الدفاع أو التراجع.

الأكثر دلالة في هذه الهجمات هو ما يبدو أنه تقاسم وظيفي للأدوار بين الجماعات المتحالفة أو المتقاطعة ميدانيا. فجبهة نصرة الإسلام والمسلمين، بحكم انتشارها الواسع وقدرتها على الحركة داخل الوسط والجنوب، تبدو أكثر قدرة على تنفيذ عمليات في مناطق مثل سيفاري أو كينيوروبا أو محيط باماكو. أما الفصائل الأزوادية، وفي مقدمتها جبهة تحرير أزواد، فتركز جهدها داخل المجال الجغرافي لأزواد، حيث تسعى إلى استنزاف الجيش وافتكاك مواقع ذات قيمة سياسية وعسكرية.

هذا التقاسم لا يعني بالضرورة وحدة قيادة كاملة بين الطرفين، لكنه يكشف عن تقاطع مصالح واضح: الجماعات الجهادية تريد إنهاك الدولة وتوسيع نطاق اللا أمن، والفصائل الأزوادية تريد إعادة تثبيت نفسها كفاعل عسكري في الشمال بعد الضربات التي تلقتها. وبين الهدفين، يصبح الجيش المالي أمام حرب متعددة الوجوه، لا تكفي فيها السيطرة على مدينة أو إعلان صد هجوم لإغلاق المعركة.

كما أن استهداف نقاط متباعدة جغرافيا يحمل بعدا نفسيا وإعلاميا مهما. فحين تقع الهجمات في الشمال والوسط وبالقرب من العاصمة في يوم واحد، فإن الرسالة الموجهة إلى الرأي العام المالي وإلى الشركاء الخارجيين هي أن التهديد لم يعد محصورا في الهامش الصحراوي، بل قادر على التمدد والظهور في أكثر من اتجاه. وهذا النوع من العمليات يضرب صورة الدولة القادرة على ضبط المجال الوطني، حتى عندما لا يحقق المهاجمون مكاسب ميدانية دائمة.

في المقابل، لا تزال الرواية الرسمية المالية تركز على صد الهجمات والسيطرة على المواقع المستهدفة. لكن أهمية هذه العمليات لا تقاس فقط بنتيجتها العسكرية المباشرة، بل بقدرة الجماعات المسلحة على المبادرة، وتحديد توقيت المواجهة، وإجبار الجيش وحلفائه الروس على القتال في مساحات متباعدة. فحتى عندما تفشل الهجمات في إسقاط المواقع، فإنها تنجح في اختبار جاهزية الجيش، وكشف نقاط الضغط، واستنزاف الموارد.

من هنا، تبدو هجمات اليوم مؤشرا على انتقال الصراع في مالي إلى مرحلة أكثر تعقيدا: مرحلة لا تقوم على معركة حاسمة واحدة، بل على سلسلة من الضربات المتزامنة التي تجمع بين الاستنزاف العسكري، والضغط النفسي، والرسائل السياسية. وإذا كانت كيدال قد مثلت في إبريل عنوانا لاستعادة الفصائل الأزوادية حضورها في معقلها التاريخي، فإن أنفيس تبدو اليوم عنوانا لمحاولة تثبيت خطوط تماس جديدة حول الشمال، وإظهار أن معركة أزواد لم تنته.

الخلاصة أن ما جرى ليس مجرد يوم آخر من العنف في مالي. إنه تعبير عن استراتيجية آخذة في التشكل، تقوم على توزيع الأدوار بين فاعلين مسلحين مختلفين، وتوسيع الجبهات لإضعاف قدرة الجيش على التركيز، ثم اختيار نقطة مركزية تتحول إلى قلب المعركة. وفي هذه الاستراتيجية، لا يكون الهدف دائما احتلال المدن طويلا، بل إثبات أن الدولة لا تستطيع حمايتها بسهولة.

 

احمد الهادي

سبت, 04/07/2026 - 16:27