الهياكل العظمية للسلطة.. الأحزاب الرئاسية ودورة الولاءات في موريتانيا

إذا ما قرر الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، بعد سبع سنوات من وصوله إلى الحكم، تأسيس حركة سياسية جديدة، فإن حزب الإنصاف، وقد فقد شرارته الأولى، لن يغدو سوى قشرة فارغة، واسم بلا روح، لا يبقى فيه إلا صدى طموحاته القديمة. فالأطر والوجهاء والوسطاء المحليون، أولئك الرحّل في عالم السياسة الذين لم يعرفوا بوصلة غير رياح القصر، لن ينتظروا حتى اليوم التالي ليغادروا صفوف الحزب الذي فقد حيويته.

وسيتدفقون، في قافلة متعجلة، نحو الوعاء الرئاسي الجديد، مكررين بصورة تكاد تكون مطابقة المشهد المؤسف الذي أعقب سقوط معاوية ولد الطايع. ففي ذلك الوقت، تخلى مناضلو الحزب الجمهوري الديمقراطي والاجتماعي (PRDS) عنه بين ليلة وضحاها، فتبددت ولاءاته كما يذوب الثلج تحت الشمس، لا رفضاً للماضي، بل خضوعاً لذلك القانون الحديدي للبقاء الذي يجعل الانتماء، في صحارى السلطة، يقاس فقط بمدى القرب من مصدر النعم والامتيازات.

وسيستقطب هذا الكيان الجديد، مهما كان اسمه أو شعاره، فوراً تلك «الهياكل العظمية الصارخة» التي يمثلها الانتهازيون من كل صنف؛ أولئك الذين كانوا بالأمس يقسمون بالولاء لحزب الإنصاف، ثم سيبدلون بطاقاتهم الحزبية غداً، من دون أدنى حرج، ببطاقات جديدة، متذرعين بانسجام سياسي مزعوم. والحقيقة أنهم لا يفعلون سوى الانصياع لغريزة البقاء الجماعية، محولين كل انتقال حزبي إلى رقصة هزلية يؤدي فيها الممثلون أنفسهم، ولكن بأقنعة مطلية حديثاً، المسرحية ذاتها: مسرحية الزبونية السياسية.

وفي المقابل، سيبقى القلة من المثاليين، الذين ما زالوا يؤمنون بالبرامج والقيم، جامدين وعاجزين أمام هذا الذوبان الجماعي. ففي موريتانيا، ليست السياسة سوى حركة ترحال دائمة، وهجرة مستمرة نحو المراعي الأكثر خصوبة. وإذا أنشأ الرئيس أداة سياسية جديدة، فلن يفعل سوى تكريس حقيقة مرة مفادها أن الحزب ليس إلا ثوباً من ثياب البلاط، يُرتدى ويُخلع بحسب فصول السلطة.

وهذا التجدد الدوري، بعيداً عن أن يثير الدهشة، لا يفعل سوى تأكيد المقولة التي ترى أن الولاءات، تحت سماء الساحل، عابرة كالأمطار، وأن الإخلاص يتبدل كما تتحرك الكثبان الرملية. فظهور هذا الحزب الجديد لن يكون بداية جديدة، بل مجرد فصل إضافي من القصة نفسها، حيث يمتزج صوت الأبواب التي تُغلق في وجه حزب الإنصاف بهمسات أولئك الذين حجزوا، منذ أول إشارة، أماكنهم في القافلة المقبلة، تاركين خلفهم بقايا ولاء لم يكن يوماً سوى ولاء ظرفياً.

وهذا المشهد، على الرغم من أنه متوقع، يبقى صادماً في قسوته. فهو يكشف أن الأساس الحقيقي للنظام ليس الوطن، ولا الشعب، ولا حتى رؤية للمستقبل، بل المنطق البسيط، والمبتذل، والمحبط: منطق المعلفة. فكل مناضل، وكل منتخب، وكل وزير، يعلم أنه ليس سوى ظل للنور الرئاسي، وأن هذا النور، متى انتقل، جرّ معه ظلاله بالضرورة.

وهكذا تتحول كل إعادة تأسيس سياسية إلى طقس من طقوس إحراق القديم لصالح الجديد، في دورة يولد فيها الأشخاص أنفسهم، والطموحات نفسها، والحسابات نفسها، من جديد، ولكن تحت اختصار حزبي مختلف. أما الشعب، وقد أنهكته هذه التحولات الشكلية، فيراقب مرور قوافل محترفي السياسة الذين لا يشغلهم سوى الحفاظ على امتيازاتهم.

وحين تركض «الهياكل العظمية الصارخة»، أشباح جميع الانشقاقات السابقة، نحو الحزب الوليد، فإنها لا تفعل سوى تكرار الدرس نفسه الذي انتقل من ولد الطايع إلى ولد عبد العزيز، ومن ولد عبد العزيز إلى ولد الغزواني، ومن ولد الغزواني إلى خليفته المفترض: فميلاد حزب رئاسي جديد هو دائماً إشارة إلى عملية غسيل واسعة للضمائر، لا ينجو منها إلا أصحاب المرونة المطلقة، بينما تصبح الحياء، والثبات، والوفاء للالتزامات السابقة مجرد عوائق أمام من اختاروا المسار الوظيفي على حساب القناعة.

ومع ذلك، فإن هذه الرقصة البائسة لم تعد تثير حتى الاستياء، بعدما أصبحت جزءاً من الأعراف السياسية الموريتانية، كأنها ظاهرة مناخية لا مفر منها، طبيعية كفصل الأمطار أو عودة الطيور المهاجرة. ولولا ما فيها من حزن عميق، لأمكن الابتسام لها، وهي تختزل أمة بأكملها في لعبة كراسٍ موسيقية، حيث لا يعاد سوى توزيع الوجوه نفسها، والطموحات نفسها، والأوراق نفسها.

أما فكرة وجود بديل سياسي حقيقي، أو قطيعة فعلية مع هذا النظام القائم على الأواني المستطرقة، فتتلاشى أمام سطوة العادة. فقد استوعب المناضلون، في القاعدة كما في القمة، أن مصيرهم مرتبط عضوياً بمصير الزعيم، وأن الزعيم، إذا غيّر حزبه، أطلق سراحهم من كل قيد أخلاقي، ودفعهم إلى مغامرة جديدة يستعيدون فيها امتيازاتهم وشبكاتهم وحصانتهم كما هي.

وهكذا، فإذا أقدم الرئيس ولد الغزواني، بعد سبع سنوات من حكمه، على هذه «إعادة التأسيس»، فلن يمنح سوى وجه جديد لمرض قديم: الانتهازية المنتصرة، التي تكرس، تحت شعار التحديث السياسي، البنية التقليدية القائمة على الولاءات الشخصية والعلاقات القبلية والزبونية.

وسنشاهد، بوضوح مؤلم، أن الهياكل العظمية للحزب الجمهوري الديمقراطي والاجتماعي، التي هجرت ولد الطايع بالسرعة نفسها، هي ذاتها التي هجرت حزب الاتحاد من أجل الجمهورية في عهد ولد عبد العزيز، وهي نفسها التي تستعد اليوم لمغادرة حزب الإنصاف، لتندفع نحو حزب الغزواني الجديد كما تندفع أسراب الجراد الجائع إلى حقل حديث الزرع، من دون أن يخطر ببالها يوماً أن الحزب السياسي يمكن أن يكون شيئاً آخر غير آلة لتوزيع الامتيازات.

وفي خضم هذا السباق المحموم، لا تضيع فقط مصداقية المؤسسات، بل تضيع أيضاً إمكانية قيام نقاش فكري، أو تنافس برامجي، أو تداول حقيقي على السلطة. فكل القوى الحية تنجذب إلى الدوامة الرئاسية الجديدة، لتجد نفسها في المعسكر نفسه، فتقضي مسبقاً على أي معارضة ذات مضمون.

وقد يستمتع الرئيس، محاطاً بهؤلاء المتحولين في اللحظة الأخيرة، بوهم استعادة الوحدة، بينما لن يكون قد جمع سوى حطام عدة سفن غارقة، وناجين من غرق متكرر، يتقنون جميعاً فن تغيير الراية وهم في عرض البحر.

وهذا الواقع، مهما كان مؤلماً، ليس سوى انعكاس لثقافة سياسية لا يُنظر فيها إلى الحزب إلا بوصفه قشرة جوز تُترك بمجرد أن تبدأ في الغرق، للقفز إلى قارب القبطان الجديد، من دون التفاتة إلى من بقوا على الشاطئ. فبحر السلطة لا يرحم، والغرقى الذين يتعلقون بأي لوح خشب ليسوا مثاليين، بل سباحين محترفين، اعتادوا كل المياه، وكل التيارات، وكل الخيانات.

وفي هذه الرقصة الجنائزية للولاءات، تُستنزف الطاقة السياسية للبلاد، بينما تبقى القضايا الحقيقية ــ الفقر، والتعليم، والصحة، والعدالة ــ خارج الباب، أثقل من أن تحملها هياكل عظمية لا ترى أمامها سوى معلفة السلطة.

ومع ذلك، عندما يُعلن عن الحزب الجديد، ستتدفق الخطب، وستنهال الوعود، وسيُخيَّل للناس، لبعض الوقت، أن عهداً جديداً قد بدأ. ثم تدور العجلة من جديد، ويتكرر السيناريو نفسه، بالممثلين أنفسهم، والجمل نفسها، والابتسامات المناسبة نفسها، ليذكرنا بأن السياسة الموريتانية، بعيداً عن أن تكون ساحة صراع للأفكار، ليست سوى تكرار أبدي: عودة مدرسية لا تنتهي، يغيّر فيها التلاميذ أماكن جلوسهم فقط، بينما يبقى المعلم، أي الرئيس، النقطة الثابتة الوحيدة، والنجم الذي تدور حوله، في طاعة، تلك الكواكب البشرية التي ترسم، بحركتها الدائمة، في سماء نواكشوط المغبرة، كوكبة محبطة من ديمقراطية الواجهة.

أما الأحزاب، فليست سوى خانات استراحة في الصحراء يغادرها الناس من دون أن يسددوا حسابها، ولا تستحق الرحلة إلا إذا كانت تقود إلى القصر: الواحة الأخيرة، والسراب الأخير، والمقبرة الأخيرة للأوهام السياسية.

 

أعليّ محمد
 

أحد, 02/08/2026 - 18:29