
في العتمة الواسعة لليالي نواكشوط، وهي تتمدد على نحو غير منظم، عند منعطف الأزقة المظلمة، وعلى عتبات البيوت اللامبالية، أو عند أسفل الجدران المهجورة، تجري مأساة تحاول الضمائر الجماعية في كثير من الأحيان تجاهلها.
هناك، بين أكوام القمامة، بعيدًا عن الأنظار، يُترك أطفال أبرياء لم يكادوا يخرجون من المهد. هؤلاء الرضع، الناتجون عن علاقة غير شرعية، والذين لا ذنب لهم سوى أنهم أطلقوا صرختهم الأولى في عالم قاسٍ، يُتركون بلا رعاية، بلا اسم، وبلا مستقبل.
إن ظاهرة الأطفال المتخلى عنهم لا تزال موضوعًا محرّمًا، وواقعًا تفضل فيه بعض فئات المجتمع الصمت بدافع الحرج أو الخوف. لكنها تمثل مع ذلك جرحًا عميقًا في جسد الوطن، وفضيحة صامتة تكشف أوجه القصور في أخلاقنا، وتضامننا، ونظامنا للحماية الاجتماعية.
ومع ذلك، فإن العلم والعدالة يمتلكان اليوم أدوات فعالة. فالتقدم في مجال الشرطة العلمية، وموثوقية تحاليل الحمض النووي، ورفع البصمات، ودقة التحقيقات الميدانية، كلها وسائل تتيح في كثير من الحالات الوصول إلى الوالدين.
وفي العصر الرقمي، أصبحت وسائل المراقبة حاضرة بقوة أيضًا، بحيث يبدو، من الناحية النظرية، أن لا شيء يفلت من أجهزة اليقظة. ومن المؤسف أن نلاحظ أن مجرد كلمة تُعتبر مزعجة قد تؤدي فورًا إلى استدعاء من طرف شرطة الجرائم السيبرانية. ومع ذلك، فإن الأمر هنا يتعلق بفعل زنا ثابت، لا بمجرد أقوال.
لكن، في مواجهة هذه المأساة الإنسانية، يستمر الصمت واللامبالاة، وكأنهما مكتومان تحت ثقل المحظورات الاجتماعية.
وفي الوقت الذي تُضحّى فيه بهذه الأرواح البريئة على مذبح العار، يبدو بعض الفاعلين السياسيين ودوائر نفوذهم منشغلين بأولويات أخرى: التعبئة الحزبية، وإظهار الوحدة حول الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، والاستعداد للاستحقاقات الانتخابية المقبلة. وفي الصالونات المغلقة، تبدو الأولويات في مكان آخر: ابتسامات واجهة، وخطب احتفالية.
هذه اللامبالاة ليست سوى انعكاس لأزمة أوسع. فمجتمع تطبعه تفاوتات كبيرة وقدر من النفاق المؤسسي يجد صعوبة في حماية أضعف أفراده.
وخلف مظاهر الاحترام والوجاهة، تختبئ أحيانًا حقائق أكثر قتامة، تتقدم فيها الأعراف والمصالح على واجب الحماية.
إنهم، للأسف، أطفال الظل، وهم من يدفعون الثمن الأغلى.
لقد أصبح من الملح والضروري أن ننظر إلى هذه الحقيقة في وجهها، وأن نجعل حماية الطفولة أولوية وطنية حقيقية.
اعليه محمد



.jpeg)

.jpeg)