
هناك وضعٌ تعجز حتى الشكوى من وطأته عن التعبير عنه، إلى حد أن الصمت الذي يلفّه انتهى إلى جعله غير مرئي داخل المدينة. أعني تلك الأغلبية الخافتة الصوت، ذلك القاع الاجتماعي من البيظان الذي دفعته الجمهورية إلى هوامشها، إلى تخوم جغرافيتها وعنايتها.
إنه يشكل الزاوية العمياء في عقدنا الاجتماعي. فهو لا يعيش، بل يختنق؛ لا بسبب ضيق في التنفس، وإنما بسبب انكماش الأفق واستحالة وجودية في التطلع إلى المستقبل.
مصيره هو مصير الإنسان المحصور بين المطرقة والسندان. فمن جهة، هناك دولة بعيدة، مجردة، أقصته من مشاريعها ومن توزيع مواردها. إنه الطرف الذي لا نصيب له، ذلك الذي لم تعد البطالة بالنسبة إليه حادثًا عابرًا في مسار الحياة، بل تكليفًا ملازمًا، ووضعًا دائمًا. ومن جهة أخرى، هناك جماعته نفسها، أو بالأحرى تلك الأوليغارشية التي، باحتكارها تمثيل القبيلة، استأثرت بمنافع هذا التمثيل.
لقد حدثت مصادرة؛ إذ استولت حفنة من الأوصياء المعلنين ذاتيًا على شرعية النسب على الامتيازات الجوهرية: الأرض، والريع، والوصول إلى القضاء والوظيفة العمومية، وسلطة الكلام والتمثيل. غير أن هذه الهيمنة لا يمكن أن تستمر إلا عبر إدامة تبعية الأغلبية. فالاستعباد هنا هو شرط استمرار السيطرة.
وأشد الأغلال استعصاء هو ذلك الرمزي. يُمنع هؤلاء الرجال من بذل الجهد الذي يحررهم، وتحظر عليهم تلك المهن التي توصف بالدونية، مع أنها هي نفسها ما يؤسس لكرامة الإنسان الحر، وذلك بذريعة واهية مفادها أنها تسيء إلى اسم العائلة وتحط من شرف القبيلة. وأي انقلاب فاسد للقيم هذا الذي يجعل البطالة القائمة على الاستجداء فضيلة، ويصم العمل الشريف بأنه عار! يُسلب منهم حق النهوض، خشية أن يتمكنوا، متى وقفوا على أقدامهم، من النظر من علٍ إلى أولئك الذين أبقوهم منحنين.
وهكذا نراهم يعيشون على مقربة من جماعات أخرى، من الحراطين والولوف والسوننكي والبولار، جماعات كادحة ومنتجة ومتضامنة، كثيرًا ما تمنحهم من الأخوة أكثر مما يمنحهم أقرباؤهم بالدم. يا له من تناقض قاسٍ في جمهورية يتبين فيها أن دعم الجماعات الأخرى أكثر فاعلية من تضامن الأخ.
فما الذي يبقى من جمهورية تقبل بأن يُمنع الإنسان من تأمين قوته على يد أهله، سوى وعدٍ مُخلف، وتجريدٍ لم يكتمل؟
فالفكرة الجمهورية تناقض، في جوهرها، النظام الإقطاعي. وهي تقوم على أن يُقاس الفرد بجدارةِ ما يفعل، لا بأصله، وأن يسمو بعمله، لا بنسبه. لكن ما دام الحتم القبلي يتقدم على حكم القانون، وما دامت ذريعة الشرف تُستخدم غطاءً للاستعباد، فلن تكون الجمهورية سوى بناء بلا أساس، ومسجد بلا قواعد.
هؤلاء المنسيون لا يطلبون صدقة. إنهم يطالبون بتنفيذ العهد الأصلي: المساواة في الحقوق، والحرية في تحقيق الذات، ووضع حد لهذا الاغتراب المزدوج الذي يطوقهم؛ اغتراب دولة تتجاهلهم، واغتراب قبيلة تعرقلهم.
وما دام نَفَسهم معلقًا، فستظل الجمهورية هي الأخرى، إلى الأبد، غير مكتملة.
ترجمة: أقلام



.jpeg)

.jpeg)