تعديل حكومي أم تصفية مراكز القوى؟

ليس كل تعديل حكومي أمرا يستدعي القلق، أو دق أجراس الانذار، إلا اذا ارتبط بما يعرف بتصفية مراكز القوى، خصوصا في زمن التحولات الحاسمة، وما حدث من تعديل يوم أمس حمل  مفاجأة تستحق قراءة تتجاوز التفسيرات السياسية المعتادة ؛ فقد كان الجميع يستبعد مثلا تغيير وزير الدفاع حنن ولد سيدي الذي يمثل أحد مراكز القوى المحصنة  بالنظر لعلاقته الوطيدة بخبراء الناتو وارتباطه الوثيق بالأزمة المالية وقضايا الساحل كجنرال ضليع في قضايا الدفاع وكابن مدينة باسكنو، العقدة البرية في الحدود مع مالي.

 

 وينطبق نفس الأمر على وزير الاقتصاد والتنمية عبد الله ولد سليمان، فقد كان المفترض انه بالنظر لعلاقته الوطيدة بملفات البنك الدولي وخبرته الطويلة في إدارة   برنامج الاصلاح الهيكلي خصوصا في نسخته المعدلة الجديدة التي فرضها البنك  ورضخت لها بلادنا، وكونه كان ممسكا بملفات وتوصيات تبدو نوعا ما فوق نفوذ ووصاية الوزير الأول ، وبالتالي كان يفترض أنه هو الأخر قلعة محصنة، ناجية لا مساس بها.

 

 والحقيقة أن استبدال حنن ولد سيدي بوزير معادن مدني  بلا روابط  في الجيش في هذه الظروف الحاسمة دليل واضح على ان الوزارة الأولى تريد وضع يدها على وزارة الدفاع؛  تماما كما أن استبدال وزير الاقتصاد والتنمية ورجل البنك الدولي بوزير بيطرة  مغمور، اشترك في الزمالة مع الوزير الأول في عمل مراكز الدراسات الناشئة، دليل هو الأخر على أن الوزارة الأولى تريد ان تمسك بملف البنك الدولي بيدها مباشرة، وينطبق نفس الشيء على وزارة الداخلية التي عين عليها ابن وجهاء، ووزارة التوجيه الإسلامي التي عين عليها جراح أعصاب.

 

أما نجاة وزيرالخارجية ولد مرزوك من مقصلة التعديل وهو أحد اقطاب مراكز القوى، فقد تنسف نوعا ما فرضية المقال، الا أن ارتباطه الشخصي بملف مفاوضات الصحراء وقضية الكويرة التي تتحدث مصادر عن رغبة الامارات في استلامها من موريتانيا مستقبلا لتحويلها الى ميناء لوجستي على الاطلسي يضاهي ميناء بربرة في جمهورية ارض الصومال الذي يتبع للامارات، وهي مهمة منوطةبه بالاساس، كما قد يلاحظ المتتبع لمسار الاتصالات، واذا صح الخبر، فان نجاة ولد مرزوك  وبقاءه  لإنجاز مهمته قد يكون قابلا للفهم، و يفسر أمورا أخرى قد يستنتجها القاريء الذكي.

 

 

 

ومع ذلك فانما حدث يشي بالرغبة غير المخفية  في  السيطرة على عقد النفوذ من خلال تعيينات روعي فيها بشكل واضح غياب التجربة ونقص الخبرة المسبقة بقضاياها واسرارها. هذا هو بالفعل، ما يعرف بتصفية مراكز النفوذ.

 

 

 

وبالمناسبة تكتسب وزارة الشؤون الإسلامية التي عين عليها طبيب اعصاب في بداية مشواره  بُعداً آخر لا يقل قيمة عن وزارة الداخلية ؛ فهي تقع عند تقاطع إدارة الحقل الديني والتعليم الأصلي وعلاقة الدولة بالعلماء والمرجعيات الاجتماعية، وبالتالي فهي عقدة هامة بالنسبة لمصادر التأثير في المجتمع، إلى جانب دورها في تطوير العمل الاسلامي.

 

 

 

من هنا يتضح ان قضية حريق المحطات و أزمة المدونين في الخارج ربما لم تكن سوى ذرائع لهذا الانقلاب الصامت بهدف تركيز النفوذ في يد الوزارة الاولى والقضاء على مراكز القوى، وانهاء حالة  تعدد الرؤوس التي تفاقمت  بعد رحيل الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، والتي أشار اعليها في احدى خرجاته قبل سنتين، وهي بعثرة النفوذ، ولقد كان بديهيا أن الامور  ستصل يوما ما الى هذه النتيجة.

 

 

 

من هنا تحديداً يصبح منطق حكومة التماسك مفيداً لتصور المرحلة القادمة، حيث سيصبح من الأولويات  الضمنية  للحكومة حماية قرارها الذاتي من التلكؤ والتنافس وعدم الانسجام ، و بهذا سيصبح اختيار الشخصيات القادمة في الوزارات وفي المواقع الحساسة مشروط  بما توفره من طمأنينة سياسية، لا  بما تملكه  من خبرة أو قدرة على الإنجاز.

 

هل هذا هو سبب القلق والارتباك الذي تعكسه النقاشات  الجارية ؟

 

 ربما ؛ ولكن  الخطر الحقيقي في ما يجري لا يكمن في معايير الاختيار ولا في تركيز النفوذ، بل في تفكيك قواعد العمل التي كانت تضمن استمرارية المنظومات وتراكم خبراتها، حتى وإن كانت هذه المنظومات لا تخدم في نهاية المطاف المشروع السيادي الوطني الذي نتطلع إليه، سواء في مجال التنمية وسواء في مجال الأمن و الدفاع.

 

 

 

ودرس التاريخ واضح في هذا المجال، فحين تُزاحم الحسابات السياسية متطلبات استمرارية الدولة واستقرارها، فسيجد الحكام أنفسهم أمام أجهزة فقدت توازنها، وبالتالي غير قادرة على إنجاز مهامها.

 

 والخلاصة أن هدم قواعد العمل الجارية في ظروف حساسة،حتى ولو كانت مختلة قبل بناء بدائل أقوى قد يحول الرغبة في الإصلاح إلى مصدر جديد للاختلال.

اثنين, 12/10/2026 - 11:00