
يتكون المجال الاستراتيجي لأي بلد من مجموع المجالات الجغرافية والسياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية التي ترتبط بمصالحه الحيوية وأمنه القومي ونفوذه، والتي يؤثر فيها أو يتأثر بتطوراتها.
وبالرغم من ان الصحراء الغربية- انطلاقا من هذه المعطيات- تعتبر مجالا استراتيجيا لموريتانيا، فقد انقسم القادة المؤسسون للدولة الموريتانية في شان تدبيرها الى اتجاهين:
- كان المرحوم المختار ولد داداه مهتما جدا بها ولكن بوصفها جزء من موريتانيا خاصة في خطاب أطار 1957، الذي كان في وقته يحتمل نوعا من الوجاهة، نظرا للظروف السياسية والاجتماعية والثقافية في الصحراء الغربية حينها، ولكن - ربما- نتيجة لانهماك الرئيس المختار في السياسة الداخلية وتحضير نفسه كقائد جديد لموريتانيا- الشيئ الذي لم يكن سهلا- لم يستوعب ان تغيرات كثيرا جرت في الصحراء الغربية ما بين سنة 1957 و سنة 1975.
- الاتجاه الثاني من السياسة الموريتانية في تدبير الشأن الصحراوي تزعمه المرحوم احمد باب ولد أحمد مسكه، الذي وصل الولايات المتحدة الأمريكية سنة1964 كممثل لموريتانيا في الأمم المتحدة وسفيرا لها في واشنطن، ربما كان المرحوم احمدباب أكثر دراية بالمجتمع الصحراوي، وبالتالي تبنى فكرة دعم الشعب الصحراوي في تقرير مصيره.
وهي الفكرة التي تخدم موريتانيا التي لا يمكنها ان تطالب بضم إقليم بدون تقرير مصير اهله، لأنها تتعرض لهجمة قوية في ذلك الوقت من المغرب الذي يرفض الاعتراف بها كدولة، فكيف يمكنها ان تمارس على غيرها ماهي ضحية له وتندد به وترفضه، لا تنه عن خلق و تأتي مثله...
كسب الدبلوماسي احمد باب الرهان لموريتانيا حيث ساهم كممثل لموريتانيا في صدور أول قرار للجمعية العامة للامم المتحدةحول الصحراء الغربية، وهو القرار رقم 2072/ 1965، الصادر في 16/ 12/ 1965،القاضي بحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، فحقق بذلك لموريتانيا تحكما حقيقيا في مصير الصراع من خلال كسب ثقة الشعب الصحراوي الذي وجد في موريتانيا حينها موقفا أخويا اصيلا، لا يفرض عليه شيئا لا يريده، ولا يتركه وحيدا في الطريق، وقد عبر المرحوم احمد باب في مرات عديدة ان موريتانيا بموقفها مع تقرير مصير الشعب الصحراوي، كسبت الصحراويين، ودعم الجزائر التي كانت تتبنى نفس الموقف، فلم يفهم كيف تخلت موريتانيا عن هذا الموقف الاستراتيجي القوي. ولكن نواكشوط استدعت المرحوم احمد باب بعد هذا العمل الجاد في الأمم المتحدة، وتمت إقالته في يونيو 1966، وعاد إلى نواكشوط، فكان ما كان مما لست اذكره... فظُن خيرا ولا تسأل عن الخبر.
تخلت موريتانيا عن موقفها، في دعم حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، ودخلت في عملية تقسيم الصحراء الغربية وضم جزء منها بالقوة.
ومن الجدير بالذكر ان كل ما قامت به موريتانيا بعد ذلك في موضوع الصحراء الغربية، كالخروج من الحرب والحياد بكل أنواعه إلى غير ذلك كانت -للاسف- سياسات تكتيكية غير محمية الظهر.
ومن المعروف أن تدبير المجال الاستراتيجي لأي بلد يقضي وضع استراتيجيات حكيمة مبنية على مبادئ ثابتة، يمكنها مقارعة تقلبات الزمن، وضمان مصالح البلد على المدى الطويل.
ولله الأمر من قبل ومن بعد.



.jpeg)

.jpeg)