نتنياهو يتنبأ بشرق اوسط جديد.. لكن هل سيكون على مقاسه..؟

عندما يبشر رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو بـ"شرق أوسط جديد"، فهو يعمل على أن يجعل كيانه الغاصب القوةالعظمى في المنطقة وقطبها الاقليمي الاوحد ومحورها التي تدور حوله كل دولها طوعاً او كرهاً، ويرغب ان يصبح هو الزعيم المتوج الذي تخضع له كل شعوب الشرق الاوسط، بعد أن تصوّر أنهاستطاع هزيمة كل خصومه بالضربة القاضية، ولكن ما بين الحلم والواقع ما بين الثرى والثريا، ظهرت حقائق جديدة على الارض لم تروق له، جعلت من نبوءته هدفاً صعب المنال، بل تحولت الى كابوس مزعج عاشه هو وكيانه.

لسوء طالع نتنياهو ان الصورة الامبريالية التي تراوده في الخيال لمستقبل المنطقة انقلبت بالكامل راسأ على عقب, لتتحول الى لتلك الصورة القاتمة التي عايشها كيانه طوال اسبوعي الحرب مع ايران والتي لم تخطر له يوماً على بال, أضحت اهم مدن كيانه الغاصب صور مصغّرة عن غزة التي دمرها بعد حاصرت تلك المدنالصواريخ والمسيّرات وانهمرت عليها من كل حدب وصوب، النيران أحرقت مرافقها الحساسة ومقراتها الحكومية والعسكرية والاقتصادية واحداً تلو الآخر ولحسن حظ المستوطنين الصهاينة ان خصومهم ليسوا مثل جيشهم البربري المجرم ليس لديه اخلاق او قيم او ضمير, انما هم مسلمون يحتكمون الى تعاليم دين رحيم يحرم قتل الطفل او الشيخ او المرأة ولا يسمح بهدم الحجر وقطع الشجر, بل يدعو الى الحفاظ أرواح وممتلكات المسالمين حتى إن كانوا اعداء.

تل أبيب، التي لطالما تباهى نتنياهو بأنها "واحة آمنة" وسط "صحراء من الفوضى" حسب زعمه، وكان يحلم بأن يجعلها حاضرة الشرق الاوسط الجديد, ولكن القوى الوطنية والحية في المنطقة والشرفاء من هذه الامة كان لهم رأي اخر, بفضل ايمانهم وقوتهم وصدق نواياهم تحوّلت حاضرة الكيان الغاصب إلى أكثر بؤرة تعمها الفوضى وتنتشر فيها مشاهد الدمار والانقاض في المنطقة بعد غزة، باتت تل ابيب مستباحة شأنها شأن اي مدينة فلسطينية او سورية او لبنانية، عاجزة عن حماية سكانها، مئات الآلاف منهم هجروها وهاموا على وجوههم, منهم من هرب نحو البحر، ومنهم نحو المنافذ الحدودية، باعوا كل شيء للهروب من فلسطين بأي طريقة إلى قبرص او مالطا أو اليونان أو الأردن أو مصر، حتى وإن كلّفهم ذلك دفع آلاف الدولارات للمهربين, والملفت أن اكثر الفئات التي بادرت للهرب الى خارج فلسطين هم النخب الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية لدرجة ان العديد من رجال الاعمال عرض شركاته واستثماراته بكاملها مقابل تنسيق هروبه وضمان خروجه وعائلته جواً, بحراً او براً, وكل ذلك بدون علم السلطات الرسمية, والمفارقة ان الاغلبية العظمى يفرواّ الى اوروبا عبر البحر بالضبط كما جاءوا قبل عقود قليلة, يبدو انها بروفة لرحلة العودةلتكتمل الصورة.

الحرب الذي شنها الكيان الصهيوني على ايران سجلت العديد من الاختراقات ان صح التعبير, منها انه لاول في تاريخ الكيان تضرب تل ابيب بهذه القوة  وتشهد مثل هذا الدمار كماً ونوعاً, ولاول مرة في التاريخ يشهد  الكيان نزوحًا للصهاينة بهذا الحجم خلال أيام معدودة وبهذه الطريقة, ووفقاً تقارير صحفية فإن أكثر من 850 ألف صهيوني غادروا خلال أسبوع واحد، قبل أن تقوم الحكومة بإغلاق مطار اللد "بن غوريون"، وقف الملاحة البحرية، إغلاق المعابر البرية، ومنع السفر بأي شكل من الاشكال, وذلك لوقف نزيف الهجرة الى خارج فلسطين لضمان ايجاد عناصر بشريةللتجنيد العسكري من جهة وتوفير ايدي عاملة لتشغيل عجلة ما تبقى من قطاعات الاقتصاد لاستمرارية الحياة بعد الحرب من جهة اخرى, والاهم من كل ذلك محاولة الحفاظ على معادلة التوازن الديمغرافي في فلسطين التاريخية والتي تميل لصالح الفلسطينيين وهذا اشد ما يقلق القائمين على هذا المشروع الصهيوني البغيض وما يحصل في قطاع غزة منذ اكثر من عام نصف من مجازر يومية ومحاولات تهجير ما هو الا محاولات يائسة لتعديل هذ التوازن ليصبح لصالح الصهاينة ولكن اتت الرياح بما لا تشتهي سفنهم.

الملفت أن من قام بعمليات تهريب المستوطنين الى خارج فلسطينهم ضباط سابقون في الأجهزة الأمنية الإسرائيلية, ومن لم يستطع تأمين المبالغ اللازمة للهروب يلجأ الى ملاجئ محصنة تحت الأرض باتت تضيق بالمستوطنين، الذين يحشرون أنفسهم إلى جانب الكلاب والحشرات.

نتنياهو وضع كيانه أمام لحظة تاريخية فارقة لم يشهد مثلها من قبل, كيان يرى نفسه بشرعية محل تساؤل، موصوم بالإرهاب، مدان بجرائم الإبادة، مكتئب داخلياً، مرفوض خارجياً، طارد للاستثمارات، ومرشح للانفجار من الداخل, تحول من اداة لتحقيق مصالح الغرب إلى عبء استراتيجي عليه, واشنطن لم تعد قادرة على تسويقه أخلاقيًا، ولا على حمايته فعليًا رغم استخدامها في شهر يونيو الماضي لحق النقض الفيتو لاجهاض قرار في مجلس الامن الدولي التابع للامم المتحدة يوصي بوقف اطلاق النار في غزة رغم موافقة جميع اعضاء المجلس الاخرين, ولا أظنها ستكون قادرة على الدفاع عنه في المستقبل وهنا استحضر قول الرئيس الامريكي السابق جو بادين قبيل اشهر قليلة من انتهاء ولايته "انا سأكون اخر رئيس يقدم للكيان دعماً مطلقاً".

برهنت احداث وتداعيات العدوان الصهيوامريكي على ايران الشهر الماضي ان مصير الكيان الصهيوني كان وسيكون مرهونًا بمزاج رجل واحد (الرئيس الامريكي)، يقول الشيء ونقيضه، ويقود مركبًادون بوصلة ولا مبادئ ولا كوابح والارجح انه سيغرق في النهاية.

المثير للسخرية أن نتنياهو نفسه كان أكثر من تحدّث عن "تغيير جذري في المنطقة", يبدو انه قد صدق هذه المرة وهو الكذوب, تغير الشرق الأوسط فعلًا ولكن بخلاف ما يحلم نتنياهو، المشهد الاقليمي الجديد فرضته  معادلات ردع جديدة لم يعد الكيان الصهيوني هو الطرف الأقوى فيها ولم يعد قادراً على فرض قواعد اللعبة  كما اثبت الواقع الميداني مؤخراً.

المشهد الإقليمي الحالي رسمته عدة متغيرات اقليمية ابزرها الضربات المركّبة والمتوالية التي اصبحت تستبيح العمق الصهيوني باستمرار وبسهولة ويسر، ودمرت قوة الردع الصهيونية رغم كل هذا الدعم الامريكي والغربي الهائل بما في ذلك مشاركة فعلية القوات العسكرية الامريكية جنباً الى جنب الكيان الصيهوني في قصف المقدرات النووية الايرانية بدون ادنى احتكاك ميداني بين الطرفين الامريكي والايراني كما اثبتت بما لا يدع مجالاً للشك ان الكيان لا يصمد عسكرياً او سياسياً بدون الدعم الامريكي تحديداً اكثر من يومين وثلاثة وربما اسبوع على ابعد تقدير.

تصريحات إسرائيلية وأميركية متكررة أقرّت بأن البرنامج النووي الإيراني لا يمكن تدميره تماماً بقصف جوي، حتى بمشاركةالولايات المتحدة بكل قنابلها الخارقة, وهو اعتراف ضمني بأن إيران كان لها اليد العليا في المعادلة، بوجود السلاح النووي أو بدونه, وفي هذا السياق, صرح ضابط الاستهبارات الامريكية الاسبق لي ماكغفرن قائلاً: "إن إسرائيل لا تملك القدرة على الانتصار في أي مواجهة مباشرة مع إيران والواقع يؤشر إلى أن إيران باتت تملك أوراق اللعبة بيدها، سواءاً بوجود سلاح نووي فعلي ام لا".

الكيان الصهيوني، رغم دعمه الأميركي، لم ينجح حتى اليوم في فرض إرادته على إيران، رغم استخدام الولايات المتحدة 14 قنبلة من اصل 20 قنبلة (اي 70%) من اجمالي مخزونها البالغ 20 قنبلة فقط من أثقل قنابلها غير النووية ((GBU 57 زنة 13.5 طن, وهذا ما اوردته تصريحات لمصادر صهيونية نقلتها القناة 13 العبرية تؤكد أنه لا يمكن تدمير البرنامج النووي الإيراني حتى لو استمر القصف سنةً كاملة وبكل قنابل واشنطن الثقيلة والخفيفة, وفي المقابل، تتعزز اليد الإيرانية وتشتد سطوتها كما قالت القناة العبرية.

الشرق الأوسط الجديد لن يولد في دهاليز الموساد والسي اي ايه ولا في قمم البيت الأبيض المشبوهة ولا من رحم الاتفاقيات التي فرضها او يفرضها ترامب وفريقه الصهيوني حتى النخاع ولن يتعمد في تل ابيب كما يحلم نتنياهو، بل يولد من رحم المقاومة ومن تحت الأنقاض، ومن وعي الشعوب، ومن صبر غزة وزيتون الضفة وصخرةالمعراج وكنيسة القيامة، وارز لبنان، وفزعة يمن العز والعروبة، وهدير وايمان إيران وحناجر باقي شعوب الامة وشرفاء العالم, وينهض من بين اكوام العظام والجماجم والاشلاء وشلالات الدم, ويسنده صمود الشعوب، لن يعد ممكناً ان تشوهه وصمات التطبيع المنفردة الخارجة عن خصال الرجولة والشرف والوطنية.

ما جرى الشهر الماضي وتداعياته لا يمكن اختصاره في مجرد تصعيد عسكري أو عملية محدودة انتهت, إنها علامات واضحة على بداية مرحلة جديدة.

نعم, كل الدلائل تشير إلى أن ما بعد الحرب مع ايران ليس كما قبلها, "الكيان الصهيوني" لم ولن يعد كما كان، لم يعد الكيان المنيع والمحصن، سقطت قوة ردعه وذهبت الى غير رجعة وداستها الاقدام, صحيح لن يُمحى الكيان الصهيوني اليوم أو غداً، لكن المؤكد أنه لم يعد ذاك البعبع الذي لا يُهزم، بل أصبح أسير خوفه، وأدواته تنقلب عليه، ومستوطنيه يفرّون من جحيمه وحلفاؤه يشككون فيه، أصبح عبئًا عليهم، عبئًا اقتصاديًا وعسكريًا واستراتيجياً.

هناك ملامح منطقة جديدة تظهر في الافق يبدو فيها الكيان الصهيوني ككيان ارهابي قاتل للاطفال والنساء, كيان احتلال بات عارٍ، محاصر، مرعوب، ومعزول, وبات الحديث عن امكانية انهياره حتى في اوساط داعميه في الغرب، بات زعماء هذا الكيان الارهابي مجرمين مطلوبين للمحاكم الدولية ومطاردين في كل انحاء الكرة الارضية مطلوب القبض عليهم للمثول امام المحاكم كقتله وسفاكي دماء.

نعم لقد بان الكيان الصهيوني على حقيقته وكشف عن وجهه القبيح, كيان إرهابي، مفضوح، عارٍ من كل المبادئ والاخلاق والقيم التي طالما حاول التسويق لها, لم يعد هناك غطاء أخلاقي يمكن لواشنطن أو الغرب أن يضعوه فوق رأسه, لقد بدأ هذا الكيان اللقيط يعاني من انهيار داخلي, اقتصاديًا، نفسيًا، ديموغرافيًا, الكفاءات تهاجر، الاستثمارات تهرب، الشركات تغلق، وصناديق التمويل تتردد., ما كانت تسميه إسرائيل "تفوقًا" أصبح اليوم هشيمًا تذروه رياح الحرب ورماح المقاومة وانكشافه الأخلاقي أمام العالم.

ومن ملامح المنطقة، بروز قوى جديدة في المنطقة يمكنها التصدي لغطرسة الكيان الارهابي ولم ولن تسمح بان يكون هذا الشرق حديقة خلفية لهذا الكيان العاصب كما يحلم المجرم نتنياهو طريد العدالة، بل ستصبح منطقة جديدة بمقاييس مختلفة ابرزها سقوط نظرية الردع الصهيونية ونشوء معادلات جديدة لتوازن الرعب فرضها واقع جديد وسترعاها وتدعمها ارادة الشعوب التي تناضل من اجل الحرية والكرامة.

اخر الكلام:

نتنياهو، ذلك السياسي الانتهازي المراوغ الذي يقول الشيء ونقيضه في اللحظة ذاتها، هو اليوم السبب في هذا الانفجار التاريخي, بات يرهن حياة الملايين واستقرار المنطقة برمتها مقابل محاكماته ومستقبله, لا مبادئ ولا خطوط حمراء, تتغير مواقفه كما تتقلب الرياح، ودماء الآلاف لا ترف له جفن, لكنه هذه المرة لم ينجُ، ولن ينجو.

ربما كان نتنياهو تنبأ فعلاً، لكن يبدو ان نبوءته هذه المرة كانت عن خراب "كيانه المجرم" لا عن مجده, وانعش آمالاً في النفوس بأن تحرير فلسطين لم يعد مجرد حلم يدغدغ المشاعر, بل بات املاً يطل برأسه الى عالم الواقع.

 

د. سمير الددا

[email protected]

خميس, 03/07/2025 - 17:52