
في التاسع من يوليو عام 2011، رفع شعب جنوب السودان علم دولتهم الوليدة وسط دموع الفرح وقرع الطبول. كان العالم كله يصفق تقريبًا، والأمم المتحدة ترسل البعثات، والغرب يعد بالمساعدات، ولكن بعد عقد من الانفصال عن السودان، أو على حد تعبير بعضهم التحرر من الاستعمار العربي، تحولت جوبا إلى أكبر مقبرة للأحلام في أفريقيا، وكانت التكلفة البشرية فظيعة. فبعد حرب الانفصال التي كلفت مليوني إنسان، اندلعت حرب أهلية وحشية مباشرة بين قبيلتي الدينكا والنوير، راح ضحيتها أيضًا ما يقدر بـ 400 ألف إنسان، مع اغتصاب منهجي متبادل، ومجاعة كارثية، وانهيار لكل الخدمات. والعبرة هنا هي أن ما لا يعطيه التكامل والتلاحم لا يعطيه الانعزال، وما لا تمنحه الوحدة لن يمنحه التوحد. ثم إن التحدي الحقيقي هو في النهاية تغيير معنى الجغرافيا، وهذا ممكن دومًا دون الانفصال.
إن السؤال المطروح اليوم في الحالة المالية هو: ما الذي يضمن ألا يكون انفصال أزواد، الذي تحارب من أجله بعض الحركات، شبيهًا بانفصال جنوب السودان، أو حتى أسوأ؟ فإذا ما نظرنا إلى المقومات والإمكانات لدى جنوب السودان والظروف الدافعة، فحالته أدعى للنجاح من حالة أزواد، إذ إنه بلد اكتشف فيه النفط، وهو ذو مناخ أفضل. ثم إن انفصاله كان، على نحو ما، مبررًا دينيًا وعرقيًا، فالجنوبيون قبائل مسيحية، وحكومة السودان يومئذ حكومة إسلامية راديكالية. أما أزواد، فمن ناحية المقومات، فهي أراضٍ صحراوية حبيسة وشاسعة، لا يعرف أحد بشكل دقيق ما في باطنها، وحتى ولو كان بها ذهب أو يورانيوم، فهي منطقة تنقصها المنشآت والبنى التحتية المعينة، ثم إنها منطقة سلاح وجماعات وتهريب ورؤى متباينة، فما الذي لا يشير إلى أنها ستكون أقرب إلى مصير جنوب السودان، أو حتى أسوأ؟
وفضلًا عن ذلك كله، فإن جنوب السودان يملك دوافع ومبررات لانفصاله تغطي على مرارة فشله، بخلاف الأزواديين الذين يقدم التاريخ سردية مختلفة، بل وحتى محرجة لهم. فالطوارق لم يكونوا قط شعوبًا مستعمرة أو مهمشة في ممالك مالي التاريخية، بل بالعكس، في عصور الإمبراطوريات العظيمة – غانا، ومالي، وسونغاي – كانوا هم الوزراء والمستشارين والتراجمة الذين شكلوا جسورًا بين السلاطين والعالم الخارجي. لم يكونوا الهامش المقموع أبدًا، بل كانوا القلب النابض لهذه الدول. كان أحمد بابا التمبكتي، العالم والمفكر العظيم، بمثابة كبير الوزراء في دولة السونغاي، وجاهد دفاعًا عنها ضد الحملة السعدية، وألف الكتب دفاعًا عنها. لقد كانت قبائل أزواد هي العمود الفقري الإداري والعلمي لإمبراطورية مالي التاريخية، التي كانت نموذجًا فريدًا للتعايش، وشكلت النسخة الأكثر إشراقًا من “الإسلام الأفريقي” التسامحي غير المتشدد، الذي مزج بين العربية والأمازيغية والزنجية في بوتقة واحدة.
إن مالي اليوم، رغم فقرها ورغم أوضاعها - وهذه حقيقة يتجاهلها الكثيرون - هي واحدة من الدول القلائل التي تملك إرثًا متصلًا من الإمبراطورية إلى الدولة الحديثة، فهي دولة حضارة، بكل معنى الكلمة، مثل مصر وإيران والهند والصين. وتدمير مالي اليوم ليس خسارة للطوارق وشعوب الساحل وحدهم، بل هو محو لإحدى التجارب النادرة في العالم الإسلامي التي أثبتت أن التعايش العرقي ممكن، وأن الإسلام ليس بالضرورة عربيًا ولا متشددًا. فتمبكتو لم تكن مجرد مدينة صحراوية، بل كانت جامعة بلا أسوار، يقدم فيها الطوارق دروس الفقه إلى جانب السونغاي والبامبارا. كانت الصورة الأبهى لما يمكن أن يكون عليه “الاستثناء المالي”، وإن ذلك اللثام الطارقي في رقبة وزير الدفاع المالي الجنرال ساديو كمرا، الذي قتل في الأحداث الأليمة قبل أيام، لهو رسالة إصرار على هذه الحقيقة وهذا الاستثناء.
ولا جدال في أن شعوب أزواد يملكون مظالم حقيقية، فالتهميش الذي مارسته الأنظمة الظالمة المتعاقبة في مالي منذ الستينات بحقهم حقيقي وجارح، ولكن العلاج ليس تمزيق الخريطة لإنتاج دويلات فاشلة مثل جنوب السودان. ومن المؤكد – مع ذلك – أن الاستقلال سيمنحهم علمًا، وشعورًا داخليًا بالتميز، لكنه سيأخذ منهم تاريخًا، سيأخذ منهم “مالي الكبرى” ويستبدله بجيب صحراوي حبيس، لا ساحل له ولا مقومات. سيقتل فيهم “الإنسان الصنهاجي” الموسوعي، الوصي على رسالة الإسلام والتعايش في أفر



.jpeg)

.jpeg)