النمط التفاوضي الامريكي مع ايران.. ما مدى جدواه وتداعياته

في السياسة الخارجية, ترتكز الدبلوماسية الأمريكية عند التفاوض مع خصم تشتبك معه عسكرياً على نمط تفاوضي مشتعل (التفاوض تحت النار) وهو نمطيتميز بالخشونة الدبلوماسية ويرمي الى تركيع الخصم, وهذا ما يتجاوز الهدف التقليدي للتفاوض وهو حل النزاعات, اما اذا صمد الخصم في وجه المفاوض الامريكي ورفض املاءاته فيتحول الهدف الى شراء الوقت، التقاط الانفاس واجراء المزيد من المشاورات, إعادة التموضع استرتيجياً (عسكرياً وسياسياً وجغرافياً) وتعديل موازين القوة, امتصاص الضغوط السياسية والاقتصادية والدبلوماسية الداخلية والخارجية، امتصاص الأزمات المالية والعسكرية ولكن دون الوصول إلى تسويات نهائية, وهذا يعزز الرأي الذي يرى بأن واشنطن ربما تهدف من وراء هذا التفاوض مع طهران الى الحفاظ على الوضع القائم بتكريس الخوف من الخطر الايراني لدى دول المنطقة بغية الاستمرار في ابتزاز هذه الدول ونهب ثرواتها بذريعة حمايتها من هذا الخطر, وبالطبع المرشح الاكثر تأهيلاً للقيام بهذه المهمة (الحماية) الولايات المتحدة نفسها وربيبتها اسرائيل والمقابل سيكون ثمناً باهظاً اقتصادياً وامنياً وسياسياً.

النمط التفاوضي الامريكي بات واضحاً لمن اطلع على بعض التجارب التفاوضية الامريكية في العديد من الملفات، خاصة في الشرق الأوسط. سواء في المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية (ربما نخصص لها مقالاً منفصلاً مستقبلاً ان شاء الله)، أو الملف النووي الإيراني، أو حتى المحادثات الامريكية غير المباشرة مع فصائل المقاومة الفلسطينية، تفرض الولايات المتحدة نفسها عنوة كوسيط رئيسي رغم عدم حيادها واصطفافها الفج الى جانب اسرائيل عسكرياً, سياسياً, تقنياً وعلى كافة الاصعدة، وقد اثبتت انها في معظم (ان لم يكن كل) تلك الملفات لا تسعى إلى حلول جذرية بقدر ما تسعى إلى إدارة تلك الملفات وإعادة ترتيب أوراقها لمصلحتها ومصلحة اسرائيل بما في ذلك تأجيل مراحل الصراع لأوقات وظروف ملائمة.

هذه الازدواجية الصارخة بين الخطاب الأمريكي الذي يتشدق بـ«السلام» و«الحلول الدبلوماسية»، وبين السلوك الامريكي عملياً الذي يغلب عليه البعد التكتيكي البحت، تشكل إحدى السمات المنفرة للسياسة الخارجية الأمريكية, فالمفاوضات حسب المفهوم الامريكي لم تعد أداة تسوية (في اغلب الاحيان)، بل أصبحت أداة بسط نفوذ وتأجيل ومراوغة للتهرب من استحقاقات ما, وإدارة الازمات بما يخدم المصالح الأمريكية ليس إلا.

على مستوى آخر، قد تُستخدم المفاوضات الأمريكية كوسيلة لكسب الشرعية الدولية أو بناء تحالفات أوسع، كما في الاتفاق النووي الإيراني، حيث لم يكن الهدف فقط تجنب المواجهة العسكرية، بل أيضًا إدارة شبكة معقدة من المصالح الدولية والإقليمية. وفي المقابل، قد تتحول المفاوضات إلى أداة ضغط بحد ذاتها ضمن ما يُعرف بـ“الدبلوماسية القسرية”، حيث تُطرح العروض التفاوضية مع استمرار العمليات العسكرية او في ظل تهديد ضمني أو صريح باستخدام القوة.

بناءً على ذلك، يمكن القول إن التفاوض في الاستراتيجية الأمريكية لا يُفهم بوصفه مرحلة نهائية للصراع، بل كـ أداة ديناميكية ضمن منظومة أوسع لإدارة القوة والنفوذ. فهو يُستخدم أحيانًا لشراء الوقت، وأحيانًا لإعادة ترتيب الأولويات، وأحيانًا أخرى لتهيئة البيئة السياسية والعسكرية لخيارات لاحقة. ومن ثمّ، فإن تحليل المفاوضات الأمريكية يتطلب تجاوز القراءة السطحية التي تربطها حصريًا بالسلام، نحو فهمها كجزء لا يتجزأ من سلوك استراتيجي براغماتي يسعى إلى تعظيم المكاسب وتقليل الخسائر في بيئة دولية متغيرة

ولفهم خلفيات هذا النمط التفاوضي واهميته كأداة للنفوذ الأمريكي في العلاقات الدولية نورد بعض النماذج العشوائية من تاريخ التفاوض الامريكي لتوصيل المعنى المقصود:

المفوضات الامريكية الكورية استمرت لحوالي عامين من 1951 الى  1953 تحت النار اي اتناء دوران القتال في الميدان وتميزت بالتعقيد الشديد ومع ذلك رغم التوصل الى هدنة في يوليو 1953 لم يتم التوصل الى اتفاق سلام الى الان وما زال شطري كوريا في حالة حرب الى يومنا هذا , تجدر الاشارة الى ان جولتي تفاوض تم عقدهما عامي 2018 في سنغافورة والثانية في هانوي عام 2019 بين الرئيسين الامريكي دونالد ترامب في فترته الاولى عام والكوري الشمالي كيم جونغ اون علاوة على لقاء قصير بينهما عام 2019 في المنطقة منزوعة السلاح على الحدود بين الكوريتين, ولم تسفر هذه الاجتماعات عن نتيجة تذكر.

عدد جلسات المفاوضات الامريكية مع الفيتناميين وصلت لأكثر من 200 جلسة مفاوضات مفتوحة علاوة على ما يقرب من 40 جلسة مغلقة على مدى 5 سنوات تقريباً من عام 1968 لغاية توقيه اتفاقية باريس للسلام عام 1973, وقال عنها وزير الخارجية الامريكية الاسبق هنري كيسنجر في مذكراته  "بأنها مفاوضات شاقة ووصف المفاوض الفيتنامي بأنه عنيد وصلب بصورة غير طبيعية", والنتيجة انسحاب مذل ودراماتيكي للقوات الامريكية بجسر جوي من الطائرات المروحية ودفعهم بأحذيتهم العسكرية للمتعاونين معهم من الفيتناميين (العملاء)من على متن الطائرات وقذفهم في الهواء الى الخارج لمواجهة مصيرهم القاتم, مما ادى الى سرعة انهيار الحكومة الفيتنامية الجنوبية الموالية للامريكيين وسيطرة الثوار الفيتناميين الشماليين عام 1975 بقيادة "هو تشي منه" على الجزء الجنوبي من فيتنام, وسقوط عاصمته حينها سايغون التي اصبحت تعرف اليوم باسم "هو تشي منه" تخليداً لذكرى الزعيم الفيتنامي الاشهر وموحد شطري فيتنام ورمز استقلالها واول رئيس لها.

مفاوضات عام 1973 التي تلت مباشرة حرب أكتوبر في نفس العام وانتهت العام التالي 1974 بتوقيع ما عرف حينه اتفاقيات فك الاشتباك على الجبهتين المصرية والسورية وكان هنري كيسنجر طرفها الابرز ايضاّ, وتلك المفاوضات هي التي مهدت الطريق لاتفاقيات كامب ديفيد عام 1978 وما يسمى اتفاقية السلام المصرية الاسرائيلية عام 1979. 

المفاوضات الامريكية مع حركة طالبان التي أعادت سيطرتها على السلطة في افغانستان مرة بعد حرب استمرت حوالي 20 عاماً وخلفت الاف القتلى من القوات الامريكية وأكثر من 2 تريليون دولار. والتي بدأت في اعقاب الغزو الامريكي للبلاد عام 2001 واستمرت بأنماط مختلفة حتى توقيع اتفاق الدوحة عام 2021 والذي ادى الى انسحاب مذل للقوات الامريكية من افغانستان, ولفظهم للمتعاونين معهم (العملاء) من الافغان ورفضهم اخذهم معهم ورميهم خارج الطائرات وتركهم خلفهم لمواجهة مصيرهم المجهول تماماً كما حدث مع عملائهم الفيتناميين, وفي هذا السياق أذكر لقاء مصور مع وزير الخارجية اللبناني الاسبق فارس بويز يحذر فيه من تخلي الامريكيون عن اذنابهم عند انتهاء ادوارهم الخيانية ضد بلدانهم واوطانهم وبات هذا السلوك الامريكي الوضيع شائعاً ومعروفاً, لذا لا يمكن الثقة او الاعتماد على الامريكيين, وفي هذا الصدد ذكر الوزير بويز تجربة الرئيس اللبناني الاسبق كميل شمعون مع الامركيين عام 1958 عندما طلبوا منه الدخول في حلف بغداد المناهض للزعيم المصري حينها جمال عبد الناصر, وفجأة بدون سابق انذار اتفق الامريكيون مع عبد الناصر وتم عزل الرئيس شمعون وتم وضعه تحت الاقامة الجبرية لمدة 10 سنوات في منزله بالسعديات قضاء الشوف (جنوب بيروت), ويضيف الوزير بويز تجربة لبنانية اخرى, وهي تجربة الرئيس الاسبق امين الجميل مع الامريكيين في عهد الرئيس الاسبق رونالد ريغان الذي شجع الرئيس الجميلبقوة على اتفاق 17 ايار عام 1983 لانهاء الحرب التي يشنها الكيان الصهيوني على لبنان حينها, ثم فجأة يتخلى الامريكيون عن دعم هذا الاتفاق الذي انهار على اثر ذلك وتبعه انهيار نظام الرئيس الجميل.

هذا من جهة, ومن جهة اخرى شهدت العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران نمطاً تفاوضياً على مدى أكثر من أربعة عقود لا يقل تعقيداً وقسوة عن النماذج السابقة, ان لم يكن اكثر تشابكاً, فهو يتسم باستخدام المفاوضات كأداة متعددة الأغراض، تتراوح بين محاولة احتواء البرنامج النووي الإيراني، وفرض عقوبات اقتصادية قاسية، وإعادة ترتيب التوازنات الدولية والإقليمية بما في ذلك تعزيز التنافسية الامريكية استراتيجياً في وجه قوى عالمية صاعدة وطموحة (الصين وروسيا) .

أبرز تجليات هذا النمط كان في المفاوضات التي أدت إلى اتفاق النووي الإيراني عام 2015، الذي اعتبرته إدارة أوباما إنجازاً دبلوماسياً، بينما رآه الجمهوريون وإسرائيل «استسلاماً» أمريكياً. لم يدم الاتفاق طويلاً، إذ انسحب الرئيس ترامب منه عام 2018، وأعاد فرض سياسة «الضغط الأقصى». وعادت المفاوضات غير المباشرة وغير الجادة في عهد بايدن (2021-2025)، لكنها لم تؤدِ إلى شيئ، وتحولت إلى سلسلة من جولات الشد والجذب الهادفة إلى كسب الوقت واختبار الطرف الآخر, الى ان جاء ادارة ترامب للمرة الثانية مطلع العام الماضي وتتشدد في هذا الملف رغم انخراطها في مفاوضات وتلك المفاوضات هي التي ادت الى صدام عسكري في يونيو الماضي ومن اشعال حرب حامية الوطيس اواخر فبراير الماضي وبعد 40 يوماً تفتح قناة في العاصمة الباكستانية اسلام اباد للتفاوض.

استخدمت ادارة ترامب خيار التفاوض مع إيران كغطاء لإدارة الصراع وليس حله, فهي ترفع سقف مطالبها في اغلب الاحيان لتضمن رفض الطرف الايراني ومن ثم تبرير فرض العقوبات والمزيد من العقوبات، واحياناً تُطيل أمد المحادثات لإعطاء الوقت لإسرائيل وحلفائها في المنطقة لتعزيز قدراتها، أو لامتصاص الضغوط الداخلية الأمريكية نتيجة تصاعد الازمة الاقتصادية وارتفاع الاسعار داخل الولايات المتحدة,ىعتتالاالاالا وفي الوقت نفسه، وواضح جداً انها تُستخدم المفاوضات كوسيلة لإبقاء إيران تحت الضغط الاقتصادي والعسكري دون الذهاب إلى مواجهة شاملة ودون التوصل لحل حقيقي.

هذا النمط يكشف عن طبيعة الدبلوماسية الأمريكية تجاه إيران: تفاوض تكتيكي يخدم استراتيجية طويلة الأمد قوامها الاحتواء، وليس السعي الجاد لتسوية نهائية. وهو ما جعل الملف الإيراني واحداً من أكثر الملفات تعقيداً واستمرارية في السياسة الخارجية الأمريكية.

التفاوض تحت النار, اي مع استمرار القتال العسكري نمط تفاوضي ليس جديداً, وعادة ما يفرضه الطرف الاقدر في المعركة على الطرف الأخر, وهنا نتحدث عن الطرف الامريكي والاسرائيلي مقابل الايراني, ولكن من هو الطرف الاقدر في هذه الحالة...؟؟ وهذا السؤال ليس سطحياً كما يبدو للبعض, والاجابة عليه في غاية التعقيد, ولمحاولة تبسيط هذا المشهد وتقريب الصورة نستعرض عينة من الضغوط التي يتعرض لها كل طرف.

اولاً: الطرف الامريكي يرزح تحت ضغوط هائلة, منها الاقتصادي, السياسي, الدبلوماسي, العسكري, الاعلامي, والاهم الشعبي اي توجهات الرأي العام.

وفقاً لجميع التقديرات فان تكاليف الحرب المباشرة اثناء القتال وصلت لحوالي 2 مليار دولار يومياً, وبعد التوصل للهدنة باتت تقدر بحوالي مليار دولار يومياً.

ليس سرأ ان نسبة التضخم ارتفعت في الولايات المتحدة الى مستويات مقلقة, وأسعار الوقود تضاعفت تقريباً وتبعها اسعار كافة السلع الضرورية, وهذا أشد ما يقلق صناع القرار في واشنطن وخصوصاً الرئيس ترامب, لأنه هذا هو العامل الاكثر تأثيراً على الناخب الامريكي والجهة التي سيصوت لها, وفي محاولة منه لتدارك الارتفاع الكبير في اسعار النفط الناجم عن اغلاق ايران لمضيق هرمز بسبب  الحرب التي شنتها عليها الولايات المتحدة واسرائيل ونتج عن ذلك نقص يبلغ حوالي 20% من المعروض العالمي في اسواق الطاقة الدوليةمما ادى الى ارتفاع الاسعار عالمياً وامريكياً, بادر ترامب بفتح خزانات النفطالامريكية الاستراتيجية واستنزاف كميات كبيرة منه وضخها في الاسواق لينقص حجم هذا المخزون بكميات كبيرة ويصل الى حوالي 450 مليون برميل فقط وهي كمية تكفي لاستهلاك المحلي لحوالي 3 اسابيع فقط, ورغم ان ذلك يشكل خطرا استراتيجياً كبيراً يمس امن الطاقة الامريكي إلا انه لم يجدي نفعاً وبيقت الاسعار مرتفعة, بل زادت, وهذا فشل استراتيجي يحسب على ادارة ترامب ومن المتوقع انه سيدفع ثمنه باهظاَ هو والحزب الجمهوري الذي ينتمي اليه في صناديق انتخابات التجديد النصفية المقررة في نوفمبر القادم.

ارتفاع اصوات من داخل اروقة السلطة في واشنطن برلمانيون (مثل مارك وارنر, براميلا جايبال, جيم ماكغوفرن, خواكين كاسترو, توماس ماسي, مارجوري تايلور غرين وغيرهم), رؤساء اجهزة امنية (مثل جو كينت وجون كيرياكو) وزراء (مثل جون كيري وماركو روبيو) وغيرهم وغيرهم, وكذلك اصوات مدوية ناشطة اعلامياً وعلى منصات التواصل الاجتماعي (مثل تاكر كارلسون, كاندس اوينز, آن كاسبريان, نيك فوينتس, فيفيك رامسوامي, جاسكون هينكل, ماغي هابرمان, جوناثان سوان, غلين غرينوالد, كريس هيدجز, مهدي حسن وغيرهم الكثير), وكلهم حرصوا على كشف ان الرئيس الامريكي ذهب الى الحرب تلبية لطلب من اطراف اجنبية وليس لمصلحة امريكية....في اشارة الى رئيس الوزراء الاسرائيلي نبيامين نتنياهو, وبدأ هؤلاء يثيرون الكثير من لتساؤلات حول الدافع الحقيقي خلف هذه الحرب, هل تأثير اللوبي اليهودي الصهيوني الذي دفع لترامب مئات ملايين الدولارات ام ابتزاز بملفات سرية ضده (ملفات ابستين), ام تم خداعه وتصوير الامر اليه كأنه نزهة على غرار ما حصل قبلها بأقل من شهرين في فنزويلا..ام ماذا..؟؟؟.

تشكيل لجنة من قبل الكونجرس للنظر في أهلية الرئيس العقلية على اثر نشره لصوره له يتمقص دور المسيح عليه السلام تزامناً مع هجوم حاد له على البابا ليو الرابع عشر بابا الفاتيكان واسقف روما, والذي يُعدّ وفق العقيدة الكاثوليكية خليفة القديس بطرس أول وأهم تلاميذ السيد المسيح عليه السلام ومن ابرز شخصيات العهد الجديد واول بابا واول اسقف لروما, والبابا أيضًا رأس دولة الفاتيكان ورأس الكنيسة الكاثوليكية وهو المرجع الديني والإداري الأعلى لحوالي مليار ونصف كاثوليكي حول العالم.

ترامب صرح مراراً وتكراراً أنه سيغير النظام في طهران, بل اعلن ذات مرة أنه سيعين المرشد الايراني والرئيس الايراني.

وصرح مرات كثيرة انه دمر تماماً كافة القدرات النووية والعسكرية الايرانية (الجوية والبحرية والصاروخية), ولكن الواقع كشف زيف هذا الهراء, فالمسيرات الايرانية مازالت فاعلة وتشكل خطراً كبيراً على القواعد والاساطيل الامريكية في المنطقة, والبحرية الايرانية تعمل هي الاخرى بكل كفاءة وتفرض سيادتها على مضيق هرمز الاستراتيجي.

الصواريخ الايرانية تمكنت من تدمير معظم ان لم يكن كل انظمة الدفاع الجوي والرادارات ودمرت عدد من الطائرات الامريكية من مختلف الانواع بما فيها مقاتلات هي الاكثر تطوراً عالمياً وطائرات الانذار المبكر وطائرات التزود بالوقود جواً كما دمرت كافة القواعد الامريكية في المنطقة التي تم بناؤها على مدى حوالي 5 عقود وكلفت تريليونات الدولارات, والانكى من ذلك ان دول المنطقة لن تسمح للولايات المتحدة من اعادة بنائها عقب فشلها المروع في حماية نفسها علاوة على حماية هذه الدول كما تشير الكثير من المؤشرات, وهذا معناه ليسفشلاً كاملاً في تحقيق كل ما اراده ترامب فقط بل ايضاً خسارة واشنطن لمساحة واسعة من نفوذها في تلك المنطقة الحيوية من العالم.

فشله الجلي في تحقيق اي من أهدافه التي حلم بها والمشار اليها وصمود ايران في وجه اكبر قوى عسكرية في العالم ومعها احد اكبر القوى العسكرية في المنطقة صنع منها قوة اقليمية عظمى وحتى قوة دولية يحسب حسابها وكرس سيادتها وهيمنتها على احد أهم الممرات المائية في العالم الذي تمر من خلاله حوالي 20 مليون برميل نفط يومياً تبلغ قيمتها ما يقارب 2.5 مليار دولار يومياً, ناهيك عن واردات دول الخليج من مختلف انواع البضائع والاحتياجات من مختلف انحاء العالم والتي تقدر بالمليارات هي الاخرى. 

موقف الرأي العام الامريكي المعارض جداً الحرب يشكل خطراً حقيقاً على مستقبل الرئيس ترامب السياسي وحزبه الجمهوري كما سبقت الاشارة, مما يجعل هذه الحرب عبئاً استراتيجياً ثقيلاً عليهم.

تخلي حلفاء الولايات المتحدة الغربيين التقليديين عنها في هذه الحرب بما فيهم اعضاء حلف الناتو, وهذه خسارة كبيرة لذراع عسكري فاعل كانت تعتمد عليه واشنطن كثيراً في حروبها (افغانستان, العراق, ليبيا وغيرها) مما تسبب بشرخ خطير في قوام هذا الحلف يهدد مستقبله.

اسرائيلياً, ازاحت الحرب الستار عن فشل اسرائيلي استراتيجي غير مسبوقشأنها شأن الولايات المتحدة, فقد اعلن رئيس حكومتها سيئ الذكر نتنياهو أنه سيغير نظام الحكم وسيدمر البرنامج النووي والصاروخي وسيقطع اواصر علاقاتها بما اطلق عليهم وكلائها في المنطقة, والنتيجة لم يتحقق اي من هذه الخزعبلات, ولكن الذي حدث هو  تدمير معظم احياء تل ابيب, هروب حوالي مليون صهيوني الى خارج فلسطين المحتلة اي 18% من عدد اليهود, وبذلك اصبح عدد الفلسطينيين في فلسطين التاريخية يزيد بحوالي 20% عن عدد اليهود, وهذا اكبر فشل استراتيجي يقع فيه نتنياهو الذي كرس كل حياته لتوازن المعادلة الديمغرافية بين الفلسطينيين واليهود في فلسطين من النهر الى البحر (اجى يكحلها عماها), وتوج محاولاته هذه بالاستماتة لتهجير اهل قطاع غزة خارجه وفشل في ذلك, على الرغم تسخيره ترامب لهذه المهمة الذي حاول خديعة اهل غزة والعالم بمحاولة الاستيلاء على القطاع واخراج اهله بغية تحويله الى ريفيرا كما كان يهذي.

تدهور نسبة المؤيدين لاسرائيل الى ما دون 25% بين فئات الشعب الامريكي وهذا فشل استراتجي بل وجودي, اذ ان هذا التوجه سينعكس لا محالة على توجه الناخب الامريكي مستقبلاً ما من شأنه افراز صانع قرار يتناغم مع توجهات ناخبيه لا محالة, ولك ان تتصور ماذا سيحصل لاسرائيل بدون مليارات الدولارات سنوياً وبدون احدث الطائرات واخطر الصواريخ واثقل القنابل وبدون مظلة امريكية في المحافل والمنظمات الدولية وبدون وبدون وبدون....معظم المحللين يروا انها لن تسطتيع الاستمرار في الوجود بدون الدعم الامريكي لاشهر او عام على الاكثر.

اخر الكلام:

الدولة العميقة اسرائيل استشرفت تداعيات الفشل الاستراتيجي الذي تسبب به نتنياهو ومدى خطورته على مستقبل الدولة فقررت التخلص منه, وصدرت لهذه الغاية تحالف حزبي بين نفتالي بينت ويائير لابيد وجادي ايزنكوت, وهذا من شأنه الاطاحة بنتنياهو وعصابته الأشد تطرفاً بسهولة في الانتخابات المقبلة المقررة في اكتوبر القادم كما تشير كل استطلاعات الرأي.   

 

د. سمير الددا

[email protected]

جمعة, 01/05/2026 - 08:37