صوتيات بيرام: صراع على انتخابات قبل أوانها

منذ قرابة عقدين من الزمن، وأنا أتابع باهتمام بالغ مسألة الصراع على السلطة في موريتانيا، التي تشتد وتيرتها مع اقتراب كل استحقاق رئاسي. يعتمد هذا الصراع في الغالب على أساليب متنوعة تجمع بين التحريض والتشويه من قبل المعارضة، يقابله إقصاء وتهميش من جانب السلطة الحاكمة. وهو ما ينطبق عليه الوصف الذي قدمه الكاتب الإنجليزي الشهير (مارتن ميريدث) في كتابه المعنون: "The State of Africa: A Historyof the Continent Since Independence"، وتحديداً ما يطلق عليه أنظمة "Big Men" أو "رجال السلطة الأقوياء".

وعلى غير العادة، بدأ الحديث مُبكراً عن الخليفة المحتمل للرئيس، وانتشرت ظاهرة الاستقطاب داخل أوساط الأغلبية في تجلٍ يعكس محاولة البعض فرض أجندات معينة على الرئيس. وذلك من خلال التركيز على ما أسميته "هاجس خوف ما بعد المأموريتين"، الذي أصبح العامل المتحكم الأول في نظرته للمواصفات المطلوبة فيمن يحكم من بعده. مما يحتم عليه بالضرورة التفكير في مخرج آمن من شراك مجتمع اعتاد نصب الأفخاخ تحت يافطات التأييد المطلق والدعم اللامشروط.

إن حديث الرئيس المُبكر عن الحوار فتح الباب لتساؤلات عديدة، خصوصاً وأن البلد – بحسب ما ورد على لسان رئيس الجمهورية نفسه – لا يمر بأزمة دستورية. الأمر الذي زاد من حدة التجاذبات، ودفع بعض الحالمين بالرئاسة إلى تفسير الأمر على أنه مؤشر مهم يدل على أن الرئيس لم يحسم بعد أمر اختيار من يخلفه. وبالتالي، تُعد هذه فرصة للتصعيد الإعلامي سعياً لتحقيق مآرب لم يستطع رجال مقربون من النظام الإفصاح عنها بأساليب أكثر وضوحاً. ولعل هذا هو السر في إطلاق شائعات معينة حول من يمكن للرئيس أن يثق فيه ليمنحه شرف الترشح باسم الأغلبية في انتخابات 2029. مع أن بعض المراقبين لا يرى في هذه الخطوة سوى جسٍّ لنبض الشارع، في سعي من الرئيس لتهيئة الرأي العام لتقبّل مأمورية ثالثة بأساليب هادئة تعتمد الحوار كقوة ناعمة لفرض سياسة الأمر الواقع.

في خضم هذه التجاذبات، تأتي التسجيلات الصوتية الأخيرة للنائب بيرامالداه اعبيد، التي استغرقت نصف ساعة (وهو ما يعادل برنامج تلفزيوني يكفي لنقاش إحدى القضايا الشائكة). ما يهمنا في هذه التسجيلات هي النقاط الثلاث التي تخدم ما نحن بصدد مناقشته في هذه الأسطر: فقد ركز في النقطة الأولى– على غير عادته – على توجيه الخطاب مباشرة إلى الشعب الموريتاني، محاولاً استعطافه من خلال التركيز على أن المواجهة هي بينهم وبين النظام. أما الثانية،فقد سرب معلومات عن اتصال وزير الداخلية بنائب رئيس حزب "الصواب"، يحدد فيه شروط الحصول على ترخيص لحزب (الرك). ثم ألقى باللوم في النقطة الأخيرة على الإسلاميين،محملاً إياهم مسؤولية التآمر مع النظام، ومذكراً لهم في الوقت نفسه بمواقفه معهم إبان التضييق عليهم من قبل أنظمة سابقة.

لا يمكننا في هذا الصدد فصل هذه التسجيلات عن السياق السياسي الذي انتهجه الرجل منذ أن بدأ الترشح للاستحقاقات الرئاسية، بالتنسيق مع حركة "فلام" ومع هيئات دولية، لترسيخ نظرية طرحها أحد سفراء الدول العظمى في نواكشوط وعُرفت بـ: "the movement for Black Unity in Mauritania". فقد ركز على الخطاب الشعبوي والطائفي، واستطاع أن يحصل على دعم استخبارات دول بعينها من أجل إثارة الفوضى بعد كل انتخابات رئاسية. وفي هذا المضمار، كان يسعى لتحقيق هدفين: أولهما إثارة الفوضى، وثانيهما وضع الدولة في موقف حرج من خلال دفعها لمواجهة المتظاهرين، لترسخ في أذهان النشء من الزنوج أن موريتانيا قتلت آباءهم في إينال، وها هي تقتلهم اليوم لمجرد التعبير عن حق يكفله الدستور.

بيد أن التسريبات المتداولة تكشف عن خوض حملات انتخابية من نوع آخر استعداداً للانتخابات الرئاسية المقبلة، تتمثل في استغلال الجميع للظروف السياسية الصعبة التي يمر بها العالم. وهذا ما جعل بعض المهتمين يذهب في تحليله إلى أن أحد أهم نتائج الزيارة الأخيرة للرئيس الموريتاني للولايات المتحدة كان قطع الطريق أمام بيرام وأعوانه. وليس حظر السلطات السنغالية لنشاطه على أرضها إلا تفسيراً للتوجه الجديد لحكام موريتانيا تجاه الأنشطة المزعجة لحركة "إيرا"، والتي هي في الحقيقة ليست سوى جزء من حملة انتخابية سابقة لأوانها.

ثمة من يرى أن امتناع بيرام عن التسجيل على منصة وزارة الداخلية للحصول على ترخيص لحزبه ليس سوى لعبة محكمة نُسقت مسبقاً مع النظام، سعياً لحرمان الزنوج من حزب سياسي يخدم أجندات حركة "فلام". لكن الراجح أن رئيس حركة "إيرا" قد حسم أمره في السعي للوصول إلى السلطة، لذلك سيوظف كل الثغرات لصالحه، حتى وإن بدت لمن يحكمون أنها مجرد عملية تمثيل كُتبت فصولها على خشبة وزارة الداخلية.

 

د. أمم ولد عبد الله

أربعاء, 27/08/2025 - 08:30