اللامنطق واللامعقول.... الولايات المتحدة لها مصالح هائلة مع العرب ولكنها تؤيد عدوهم بكل امكانياتها

التطورات الاخيرة في المنطقة تبرهن أن إسرائيل ليست سوى قوة جوية تعتمد على الطائرات الحديثة، وفي مقدمتها الطائرات الشبحية الأميركية, ويرى محللون أن امتلاك أي طرف إقليمي لهذا النوع من السلاح كان سيُمكّنه من فعل ما تفعله إسرائيل وربما أكبر، مما يكشف أن "التفوق الإسرائيلي" هو تفوق فقاعي مبني على التكنولوجيا الأميركية أكثر من كونه تفوقاً ذاتياً.

الحرب الأخيرة في قطاع غزة عرّت ما تعتبره إسرائيل "قوتها البرية"، حيث تم تدمير دباباتها وتحوّل جنودها إلى أهداف سهلة في الكمائن والمواجهات المباشرة, وفي المقابل، كشف سلوك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن محاولة واضحة لترهيب دول المنطقة وإجبارها على تقديم تنازلات سياسية أو القبول بعلاقات مع كيانه تحت الضغط والتهديد.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يوُصف بأنه الأكثر استجابة للابتزاز الإسرائيلي وفقاً لاوساط اعلامية وسياسية امريكية، يرى اليمين الصهيوني الفاشي في تل أبيب انها فرصة تاريخية لتحقيق اطماعه التوسعية، مطمئناًإلى أنهم سيفلتون من العقاب بفضل الغطاء الأميركي على المستويات السياسية والعسكرية والدبلوماسية, ويربط كثير من المراقبين بين هذا الدعم غير المشروط وغير المنطقي وبين ملفات حساسة مثل قضية رجل الأعمال جيفري إبستين، التي يقول بعض الأميركيين إنها جعلت ترامب أكثر هشاشة أمام ضغوط اللوبي الإسرائيلي.

موقع "أكسيوس" القريب من دوائر الاستخبارات الامريكية كشف أن نتنياهو أبلغ ترامب هاتفياً بقرار العدوان الصهيوني على قطر قبل موعده بخمسين دقيقة، وانكار ترامب لعلمه المسبق بالعدوان كان تحسباً لردود الفعل الخليجية.

طريق تعاطي ترامب مع العدوان (التراجع والإنكار) يعكس قلقاً واضحاً من الغضب العربي، وهو ما اعتبره بعض المحللين دليلاً على أن الدول العربية تمتلك أوراق ضغط حقيقية يخشاها ترامب, لكنها لا تستخدمها كما يجب, وان كان بعضهم قد بدا في ذلك, فقد اقدمت المملكة العربية السعودية على خطوة شجاعة بالتوقيع على اتفاقية دفاع مشترك تشمل كل القطاعات العسكرية بما فيها الاستراتيجية اي النووية اي توفير درع واق ورادع لكلا البلدين, وهذا يعني استراتيجياً تقليص مساحة التأثير الامريكي في دوائر النفوذ السعودية والمزيد من الاستقلال في صنع القرار السعودي والتنوع في خيارات الرياض الاستراتيجية, والمزيد من المرونة في توظيف مقدرات المملكة نحو مصالحها الحقيقية بما في ذلك إمكانية اعادة النظر في الاستثمارات السعودية الاخيرة في الولايات المتحدة واعادة توجيهها لتحقيق اكبر عائد استراتيجي يضمن تحقيق اكبر قدر من المصالح العليا للمملكة.

يبدو جلياً ان الولايات المتحدة من اكبر الخاسرين من العدوان الصهيوني الغاشم على قطر في التاسع من الشهر الجاري, وهذا ما يدركه ترامب جيداً ويحاول تجنبه والادعاء بأنه كان لا يعلم بالعدوان, لكن ذلك لن ينفع, فلو كان يعلم لكان هذا خيانة منه وغدر وهذا كفيل بالنفور منه ويدعو للبحث عن حليف غيره يتحلى بالموثوقية والاعتمادية, وان كان لا يعلم (كما يدعي كذباً) فهذا يعني انه غير كفؤ ولا يمتلك الامكانيات التقنية القادرة على توفير الحماية اللازمة لحلفائه ولا يمكن الاعتماد عليه وهذا ايضاً مدعاة للبحث عن حليف اكثر كفاءة بامكانيات اكثر فاعلية, هو خاسر في الحالتين, سواءاً اكان يعلم او لا يعلم.

ان كان يعلم فتلك مصيبة وان كان لا يعلم فالمصيبة اعظم.

تجدر الاشارة الى ان الاتفاق السعودي الباكستاني جاء متزامناً مع المناوراتالمشتركة شرق البحر المتوسط بين الجيشين التركي والمصري وجاء بعد حوالي اسبوع من العدوان الصهيوني على قطر وما اعقبه من تصريحات وتهديدات  صهيونية استفزازية وقحة لكل دول المنطقة وتحركات وتصريحات ومواقف امريكية مؤيدة لها, وجاء بعد اقل من 24 ساعة على زيارة علي لارجاني رئيس المجلس الاعلى للامن القومي الايراني للسعودية وحسب مصادر صحفية فقد تم اثناء الزيارة طرح موضوع الدفاع المشترك بين السعودية وايران, وكذلك تقدير الموقف الباكستاني المشرف خلال العدوان الصهيواميركي على ايران في شهر يونيو الماضي والاشادة بالقدرات العسكرية الباكستانية العالية خصوصاً اثناء المواجهة العسكرية الباكستانية الهندية في شهر ميايو الماضي, بما ترجمه الكثير من المراقبين انه مباركة ايرانية للاتفاقية السعودية الباكستانية,والسؤال الذي يتبادر للذهن هنا هل يمكن فهم تصريح وزير الدفاع الباكستاني ان بلاده تتطلع الى تاسيس "تحالف ناتو إسلامي" بان ايران وتركيا ومصر يمكن ان تنضم لهذه الاتفاقية في المستقبل القريب...؟؟؟؟, ارجو ان يتم ذلك, عندها سيكون للامة مع امريكا والكيان الصهيوني شأن آخر.....!!!!! 

إدعاء الولايات المتحدة بأنها لم تكن تعلم بالعدوان الصهيوني, ورغم ان ذلك غير صحيح, الا انه لا يبرئها من المشاركة في هذه الجريمة التي لا تغتفر كون قطر حليف استراتجي خاص للولايات المتحدة خارج حلف الناتو منذ اوائل عام 2022, هذا وما يبرهن على سوء نية واشنطن وتورطها المباشر في العدوان, سلوكها بعده, فهي لم تندد بالعدوان الصهيوني لا من قريب ولا من بعيد, بل على العكس, ارسلت وزير خارجيتها عقبه للتضامن مع الكيان الصهيوني والتصريح علناً بأن الولايات المتحدة تدعم الكيان بكل قوة في كل ما يقوم به (بدلاً من شجب هذه العدوان وادانته).

تجدر الاشارة الى انه قبل بضعة اشهر فقط حل الرئيس الامريكي ضيفاً "مميزاً" على الدوحة وكان يتغزل في وسامة وعظمة وكرم الامير تميم بن حمد ال خليفة وحظي باستقبال لم يحظ به في بلاده وعاد بهدايا باهظة الثمن واستثمارات واموال طائلة لم يحلم بها سلف له وعلى الاغلب لن يحلم بها خلف له, وكل ذلك للاسف لم يشفع لقطر ولم يكن كافياً فيما يبدو ليحميها من غدر وخيانة ترامب......وعليه, من المنطقي وحفظاً لكرامة امير قطر وكرامة بلاده من البديهي ان يعيد النظر في هذه الهدايا والاموال والاستثمارات وإعادة توجيهها نحو من يستحقها ونحو مصلحة بلاده الحقيقية..... اذا تم ذلك, عندها فقط سيحترم ترامب قطر ويحسب حسابها.....وإلا فسوف يعزز انطباعه عنها وعن العرب عموماً الذي رسخه في عقله نتنياهو بأنه كلما تم ضربهم سمعوا واطاعوا ودفعوا وكلما كان الضرب موجعاً اكثر كلما اصبحوا اكثر سمعاً وطاعة واسرع استجابة واسخى دفعاً.  

الادعاء بأن ترامب لا يعلم بالعدوان قبل وقوعه لا يقبله عقل, لانه يخالف الواقع والمنطق معاً, الشرق الاوسط وخصوصاً منطقة الخليج العربي منطقة نفوذ عسكري امريكي بامتياز, بمعنى ان كل انش مربع من ترابها ومائها وسمائها يخضع للرقابة العسكرية الامريكية على مدار الساعة وخصوصاً قطر, فالرقابة العسكرية الامريكية هناك اكثر كثافة ودقة بحكم وجود احدث منظومات الدفاع الجوي لحماية أكبر قاعدة عسكرية امريكية حول العالم خارج امريكا وهي قاعدة العديد وهذه موجودة في قطر وتبعد نحو 30 كيلومتر فقط من الموقع التي تعرض للهجوم الصهيوني الاخير, وهناك ايضاً عشرات القواعد العسكرية الامريكية المنتشرة في المنطقة مثل العراق والكويت والامارات والاردن وسوريا والكيان الصهيوني وغيرها اضافة الى منظومات دفاع جوي في قيادة الاسطول الخامس الامريكي في البحرين اي على بعد عدة كيلومترات عن قطر, اضف الى ذلك قطع الاسطول السادس المنتشرة في البحر الابيض المتوسط والبحر الاحمر وبحر العرب وخليج عدن والخليج العربي وكل هذه المواقع والقوات العسكرية المتطورة مزودة بمنظومات دفاع جوي هي الاكثر تطوراً في العالم لحمايتها, تمكنها من رصد كل شاردة وواردة في جميع ارجاء المنطقة براً وبجراً وجواً.

بحسب مراقبين، لا تسعى واشنطن إلى دفع إسرائيل نحو سلام مع دول الخليج بقدر ما تحرص على إبقائها "فزاعة" لابتزاها ولتبرير دفع هذه الدول مجبرةنحو اللهاث الى مزيد من صفقات السلاح وصفقات الحماية مع امريكا, ويرى البعض أن تجربة قطر مع العدوان الإسرائيلي، وتخلي واشنطن عنها، قد تكون مؤشراً لإمكانية تخلّي الولايات المتحدة عن السعودية أو غيرها إذا اقتضت مصالحها ذلك, ويأتي هذا التطور الخطير في الوقت الذي يتردد فيه الحديث حول امكانية عقد اتفاقية دفاع مشترك بين الرياض وواشنطن, ولكن في حكم المؤكد ان الضرر الذي لحق بموثوقية الولايات المتحدة وموقفها من العدوان الصهيوني على الدوحة التي تربطها اتفاقية مماثلة مع واشنطن سيلقي بظلاله على موقف الرياض من المضي قدماً لتوقيع مثل تلك الاتفاقية.

اضف الى ذلك, تصريحات وزير الخارجية الامريكي ماركو روبيو بأن "العدوان الإسرائيلي على قطر لن يؤثر على العلاقات مع واشنطن" أثارت استياءً واسعاً، ودفعت إلى تساؤلات عن جدوى استمرار دول الخليج في الاعتماد الأمني على الولايات المتحدة، في وقت يمكن ايجاد بدائل أمنية وعسكرية أقل تكلفة وأكثر احترافية واحتراماً وحفظاً للكرامة في باكستان او تركيا اوالصين او روسيا او كوريا الشمالية او حتى ايران.

منذ الحرب العالمية الثانية، فرضت الولايات المتحدة نظاماً دولياً يقوم على مؤسسات مثل الأمم المتحدة، البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي. غير أن كثيراً من العواصم حول العالم باتت تشكك في قدرة واشنطن على قيادة النظام الدولي بعد إخفاقاتها المتكررة في الشرق الأوسط وأوروبا وبحر الصين الجنوبي. ويرى مراقبون أن الصين، عبر مشروع "الحزام والطريق"، تقدم نموذجاً مغايراً يقوم على التنمية والتكامل الاقتصادي، في مقابل نموذج أميركي قائم على الحروب والابتزاز.

الوقائع الأخيرة، من غزة إلى قطر، ومن واشنطن إلى بكين، تطرح سؤالاً جوهرياً: هل يملك العرب الشجاعة لاستثمار أوراقهم السياسية والاقتصادية؟ إسرائيل تراهن على تفوقها الجوي وعلى الحماية الأميركية، لكن تجارب الميدان في غزة ولبنان، وردود الفعل الإقليمية والدولية، تكشف أن ميزان القوى قابل للتغيّر، وأن المعادلة ليست محسومة كما تظن تل أبيب.

اخر الكلام:

كان العرب والمسلمين في غنى عن بيانهم الطويل العريض الصادر عن لقائهم في الدوحة الاثنين الماضي, وكان الاجدر بهم اعتماد 5 اسطر فقط تكفل ردع اسرائيل ومن خلفها واحياء الامل واستعادة كرامة الامة:

• إعادة النظر في العلاقات مع إسرائيل وإلغاؤها حيث وُجدت.

• إحياء برنامج المقاطعة الاقتصادية العربية.

• مراجعة الاستثمارات والاتفاقات الاقتصادية والعسكرية في الدول الداعمة لإسرائيل، بما في ذلك امريكا وأوروبا.

• صياغة سياسة خارجية موحّدة.

• إنشاء قوة عسكرية اسلامية-عربية مشتركة.

 

د. سمير الددا

[email protected]

جمعة, 19/09/2025 - 08:46