مابعد الإنصاف: عندما تتحول الوعود إلى إعادة تموضع للنفوذ

يبدو أن هناك هوة شاسعة بين مفهوم الإنصاف لدى القابضين على زمام البلاد وبين تصوراته لدى عامة الشعب، وهذا ما يتجلى بوضوح في التجاذبات التي اتخذت طابع التحريض في كثير من مظاهرها. فبينما تحدّد السلطة مفاهيمها من خلال أدوات معقدة ومعايير ضبابية في غالبيتها – بعضها موروث من الحقبة الاستعمارية، والبعض الآخر تتحكم فيه تحالفات متعددة الأذرع – استطاعت هذه التحالفات أن تتراكم خبراتها بشكل مكّنها من الجمع بين السلطة والمال، كما استطاعت بإتقان إخفاء أدواتها خلف أنساق اجتماعية يتقبلها المجتمع بسهولة، كالقبيلة والشرائحية وحتى الجهوية، بوصفها الإطار الجغرافي المُحمَّس والموّلِد للتعصب الذي يشكل بدوره أداة فعالة لتفكيك النسيج الشعبي عند الحاجة.

هذا التصور للإنصاف لدى الحكام فرض عليهم السير ضمن مسار محدد، رُتِّبت أولوياته وفقاً لمصالح هذا التحالف، الذي سبق أن وصفه أحدهم بقوله: "إنه في أسوأ الأحوال يتم التخلص من رأس النظام، لتبدأ دورة جديدة." تعتمد هذه الدورة على دعاية إعلامية مصحوبة بزيارات ميدانية، لبث نوع من الأمل بين أفراد الشعب المنهك، لكن الحقيقة أن الأمر لا يعدو كونه إعادة تموضع استراتيجي، يفرض تدوير النفوذ من خلال وجوه جديدة فحسب.

لقد أشار "ويل أديبانوي" و"روجوز أوروك" في كتابهما المعنون: "Elites and the Politics of Accountability in Africa" (النخب وسياسة المساءلة في إفريقيا) إلى أن المساءلة في إفريقيا ليست غائبة تماماً، لكنها تأخذ أشكالاً مشوّهة ومحدودة ومسيّسة بعمق، مما يجعلها تُفسّر دائماً على أنها استهداف قبلي أو شرائحي. وهنا بالذات أبدعت السلطة في موريتانيا في استغلال هذه النقطة للتهرب من المحاسبة أو لطي ملفات فساد كبرى، تحت دعوى الإنصاف لأفراد خدموا النظام بإخلاص، حتى لو كان الشعب هو الضحية.

المفارقة أن كل شيء في هذه الأرض يعكس الاختلاف الجذري لمفهوم الإنصاف في وطن واحد، حيث وصلت المسافات الفاصلة بين طبقاته إلى مليارات السنين الضوئية! ففي الشوارع كما في ملامح الناس، يمكنك بسهولة قراءة تضاريس اليأس البادية للعيان، وحين تسأل عن الأسباب تشعر أنك تقف في قلب بركان هائج يعود نشاطه إلى عصور سحيقة. الإنصاف في هذا الحيز الديموغرافي – حيث غالبية الشعب – لا يعني سوى الحصول على الماء والكهرباء والحد الأدنى من الأمن، أما الحديث عن التوزيع العادل للثروة فقد أصبح جزءاً من المستحيل في نظرهم.

هذه الظروف حولت دلالة كلمة "إنصاف" في قاموس السياسة الموريتاني لتحمل الحمولة ذاتها التي تحملها عبارات مثل "محاربة الفساد" أو "محو الأمية". والخطير في الأمر أن ما أسميه بديناميكية دورة الفساد – القائمة على تقارير محكمة الحسابات ومفتشية الدولة، والخرجات الإعلامية لتفقد مشاريع تبخرت عند إعلانها، وإعادة الثقة في أصحاب السوابق – كلها عوامل اجتمعت لتعميق الهوة بين عالمين يعيشان في حيز جغرافي واحد، وبناء على هذا الأساس تختلف رؤيتهما لمفهوم الإنصاف، الذي جعلت منه ممارسات الحكام – في نظر غالبية الشعب – أمراً بعيد المنال.

أعتقد أننا بحاجة إلى مقاربات جديدة تعتمد على المصارحة والحد من مظاهر الفساد، وفرض معايير شفافة لتولي الوظائف السامية، مع العمل بمنطق العقوبة والمكافأة، والحد من تعيين أصحاب السوابق، بالإضافة إلىتقليص توريث المناصب، وإلا فإننا سنكون مرغمين على التعامل مع وضع متأزم ينتج عناصر التفتت والانهيار، وأرجو ألا يصل الأمر إلى حد يأس الشعب من الإنصاف من قبل حكامه.

 

د. أمم ولد عبد الله

اثنين, 13/10/2025 - 11:56