
لم تكن حرب اسرائيل على قطاع غزة مجرّد مأساة إنسانية مروّعة، بل كانت نقطة تحوّل في الوعي العالمي، خاصة داخل الولايات المتحدة.
فلأول مرة منذ عقود، رأى الأمريكيون الصورة كاملة دون وسيط, عشرات آلاف الاطفال تحولوا الى اشلاء، وعشرات آلاف من النساء يُنتشلن جثثاُ من تحت الأنقاض، ,آلاف اخرين مازالوا تحت الركام. ومن بقي من اهالي قطاع غزة حياً وجد نفسه بين اكوام الموت والدمار وقد اصبح بقايا انسان بلا مأوى ولا ماء ولا غذاء ولا دواء, ولا شوارع ولا مدارس ولا مشافي ولا كهرباء ولا امل ولا مستقبل وصوت فلسطيني يحكي قصته بلا رقابة.
كل هذه المآسي خلقت وعياً جديداً انهارت امامه الرواية الصهيونية الزائفة التي طالما استأثرت بالمال والوعي الامريكي واحتكرت تعريف “الخير والشر” في الشرق الأوسط وفرض تبني سرديتها رغم زيفها على دوائر صنع القرار في واشنطن, وتبلور هذا الوعي الجديد في الميادينوالشوارع والجامعات ووسائل التواصل الاجتماعي والضمائر التي مازالت حية، وبدأ يتحول الى واقع يترجم الى مواقف ثم الى قرارت وسياسات.
أظهرت استطلاعات الرأي خلال العامين الماضيين أن المزاج الشعبي الأمريكي تغيّر بعمق تجاه إسرائيل.
• الاربعاء 12 نوفمبر الجاري قال الاعلامي الامريكي الاشهر تاكر كارلسون في برنامجه الذي حقق أكثر من 50 مليون مشاهدة في يوم واحد "ان 350 مليون امريكي ينامون جوعى ونحن نرسل 26 مليار دولار لدولة لا نعرف حتى اسم عاصمتها" يقصد اسرائيل, والملفت ان شبكة سي ان ان نشرت استطلاع للرأي يبين ان 62% من الامريكيين يوافقونه على ذلك.
• في مارس الماضي، كشف مركز بيو للأبحاث أن 53% من الجمهوريين الشباب يحملون آراء سلبية تجاه إسرائيل، بعدما كانت النسبة لا تتجاوز 11% عام 2022.
• وفي يوليو، أظهر معهد غالوب أن 9% فقط من الأمريكيين بين 18 و34 عامًا أيّدوا الحرب الإسرائيلية على غزة.
• أما واشنطن بوست، فقد نشرت في أكتوبر أن 61% من اليهود الأمريكيين يرون أن إسرائيل ارتكبت جرائم حرب في غزة، و39% وصفوا ما حدث بأنه إبادة جماعية.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل تعتبر ثورة داخل المجتمع الأمريكي الذي لم يشهد مثلها منذ حرب فيتنام.
قال بنيامين نتنياهو انه سيغير الشرق الاوسط وفشل, هذا لم يتحقق, لكن الذي تحقق بكل وضوح هو غزة هي التي غيرت ان امريكا وغيرت نظرتها وموقفها تجاه اسرائيل وتم كسر الكثير من المحرمات والخطوط الحمراءفي هذا الشأن, لأول مرة منذ قيام إسرائيل، تجرأ الإعلام الأمريكي على نقد اسرائيل علنًا ليل نهار وبكل هذا الزخم, لا بل اصبح الثكير من الشخصيات المؤثرة تطالب علناً على مراجعة العلاقة مع اسرائيل والتي كانت حتى وقت قريب من المسلمات كما اشار الرئيس ترامب.
شاشات كبرى مثل CNN وMSNBC وNew York Times بدأت تعرض صور الضحايا الفلسطينيين وتنشر تحقيقات حول جرائم الحرب.
الأهم أن وسائل التواصل الاجتماعي، التي كانت تُحيد سابقًا تحت ضغط الاتهامات بمعاداة السامية، صارت منبرًا حرًا للحقيقة.
انهار سيف “معاداة السامية” كسلاحٍ لإسكات النقد، وأصبح كثير من الأمريكيين يفرقون بين اليهودية كدين والصهيونية كحركة سياسية عنصرية.
منذ نشأة اشرائيل كان دعمها قضية مقدسة في واشنطن ، لكنّ هذه القداسة تتآكل اليوم بسرعة.
استطلاع أجرته شركةUpswing Strategies صالح الحزب الديمقراطي أظهر أن 48% من الناخبين الديمقراطيين لا يمكنهم دعم أي مرشح يتلقى تمويلاً من اللوبي الإسرائيلي "ايباك" اللوبي الذي دفع 56 مليون دولار خلال انتخابات 2024 لنواب من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، صار اليوم عبئًا سياسيًا على الحزب نفسه، بعد أن خسر عددًا من أبرز حلفائه التقدميين.
حتى بعض النواب الذين تلقوا دعمه بدأوا يردّون التبرعات علنًا، إدراكًا منهم أن الرأي العام تغيّر وأن الاصطفاف الأعمى مع إسرائيل أصبح مكلفًا سياسيًا وأخلاقيًا.
فوز زهران ممداني بمنصب عمدة نيويورك لم يكن معزولًا عن هذا السياق.
لقد تحوّل الغضب الشعبي من مشاهد الإبادة في غزة إلى زخم سياسيحقيقي في الداخل الأمريكي, وهذا الذي دفع بممداني الى صدارة المشهد الامريكي وتمكينه من التربع على كرسي عمادة اكبر واهم مدينة في الولايات المتحدة متحدياً اركان اللوبي الصهيوني واخطر ادواتهمواكثرها شراسة, والحديث هنا ليس فوزه على اندرو كومو فقط, بل ايضاً على ترامب والبيت الابيض, وتشاك شومر والكونجرس بغرفتيه الشيوخ والنواب, نيويورك تايمز, نيويورك بوست, وول ستريت جورنال, ايلون ماسك, مايكل بلومبيرغ ومهعم حوالي 25 ملياردير اخرين, وهنا تكمن اهمية هذا الاختراق وقيمته وما سيتبعه من تداعيات وتغيرات.
المسيرات المؤيدة لفلسطين في الجامعات والمدن الكبرى، التي كانت تُقابل سابقًا بالقمع والتخوين، أصبحت اليوم منصات لتشكيل رأي عام جديد,وجعلت من دعم فلسطين موقفًا سياسيًا شرعيًا لا تهمة.
إنه انتقال من التعاطف الأخلاقي إلى الفعل السياسي.
حتى دونالد ترامب، الذي يُعد أكثر الرؤساء الأمريكيين انحيازًا لإسرائيل، اعترف مؤخرًا بأن نفوذها في الكونغرس “تراجع مقارنة بما كان عليه قبل عشرين عامًا”.
وقال في مقابلة مع موقع The Daily Caller: "كنت أعيش في عالم تدور فيه السياسة كلها حول إسرائيل. اليوم تغيّر الأمر؛ كلمة واحدة جيدة عنها قد تنهيك سياسيًا.”
كلمات ترامب لم تكن انفعالًا عابرًا، بل تشخيصًا صادقًا لتحوّل تاريخي في العلاقة بين المجتمع الأمريكي والكيان الصهيوني.
التحول الأمريكي ليس معزولًا عن العالم, فقد شهدنا خلال العامين الأخيرين موجة اعترافات رسمية بدولة فلسطين من دول مثل فرنسا، بريطانيا، كندا، أستراليا، النرويج، وإسبانيا، إلى جانب مبادرات أممية لمحاكمة إسرائيل على جرائم الحرب.
بل إن الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو دعا صراحة إلى “تشكيل جيش دولي لتحرير فلسطين بالقوة”، في خطوة لم يكن أحد ليتخيلها قبل حرب غزة.
تدهور مكانة إسرائيل دوليًا سياسيًا وأخلاقيًا بات واضحًا، وأصبحت في نظر المجتمع الدولي دولة فصل عنصري وإبادة جماعية، لا “واحة ديمقراطية في الشرق الأوسط”.
أحد أهم آثار هذه التحولات هو انكشاف المال السياسي الذي سيطر على القرار الأمريكي لعقود طويلة.
فالحملات الانتخابية التي كانت تُدار بالتمويل الصهيوني المكثف بدأت تُقابل برفض شعبي واسع.
صار الناخب الأمريكي أكثر وعيًا بما يجري خلف الكواليس: من يمول، ولماذا، وبأي ثمن.
وها هي نيويورك، العاصمة المالية للعالم، تتحرر لأول مرة من قبضة المال الصهيوني، لتقود مسارًا جديدًا عنوانه العدالة والمساءلة.
قد لا تنتهي الحرب في غزة قريبًا، لكن آثارها تجاوزت الحدود, لقد غيّرت غزة جوهر أمريكا وجاري تغيير وجوهها الكالحة الملوثة بكل انواع الفساد، غزة وراء لفظ جو بايدن خارج سياق النص وهي السبب الرئيسي في محاولة تتويج نائبته لخلافته, وهي السبب الابرز وراء تمكين دونالد ترامب من استعادة امجاده في المكتب البيضاوي, ولما شعرت بأنه خذلها باغتته بنسخة طوفان ليس لها دواء وغير قابلة للاحتواء, زهران ممداني اول تباشيرها, وسيأتي أًكُلها اذا امعن ترامب في الخذلان, ترامب غير ضليع في السياسة ولكنه ليس غبياً, هويدرك تماماً ان الواقع السياسي الامريكي قد تغير راساً على عقب وهذا ما صرح به علناً قائلا: "نشأت في بلد تتمحور كل سياسته حول اسرائيل, من ينتقدها بكلمة واحدة يخسر ويجد نفسه خارج عالم السياسة, لكن اليوم لم يعد الامر كذلك, بل اصبح من يذكرها بكلمة جيدة يجد نفسه خارج السياسة", نعم, ترامب ابن سوق كما يقال ويعرف من اين تؤكل الكتف, حين كان اسرائيل تسيطر على مفاصل القرار في واشنطن تحالف معهم واعطاهم ما لم يعطيهم اياه احد غيره وقبض مقابل ذلك ملايين الدولارات من اقطاب صهيونية امثال عائلة اديلسون وغيرهم, لكن رغم منحه 100 مليون دولار من مريام اديلسون مقابل سماحه لاسرائيل بضم الصفة الغربية كما ذكرت الصحفية الامريكية الشهيرة كانديس اوينز, لكن ذلك كان قبل طوفان ممداني, امريكا تغيرت واختلفت الظروف ومن مصلحته كتاجر وكسياسي ايضاً ان يتماهى مع الواقع الامريكي الجديد, وهذا هو الارجح, فكيف اذا تزامن ذلك بمن دفع له اكثر بكثير (حوالي 5 تريليون دولار حصيلة زيارته قبل نحو 4 او 5 اشهر لدول الخليج علاوة على ذلك يوجد لشركاته مصالح ومشاريع في هذه الدول بمليارات الدولارات), اضف الى ذلك ان الرجل برهن مراراً انه يغير كلامه ومواقفه كما يغير جواربه......, الداعي ان اسرائيل ولوبياتها لم تعد الرقم الرابح في الانتخابات الاميركية وهذا يؤذن بميلاد واقع امريكي جديد من ابرز سماته سياسة امريكية شرق اوسطية اقل ظلماً للعرب وللفلسطينيين خصوصاً واقل تحيزاً للكيان المجرم.
بالفعل....غزة غيّرت العالم.....
من تحت الانقاض والركام ومن بين ثنايا الاشلاء وشلالات الدم وجماجم الاطفال والنساء، انتفضت قوة سحرية هزّت أعتى دوائر السياسة والمال والتآمر والنفوذ، وأسست معادلات جديدة لمفهوم العدالة والانصاف والقانون والشرعية.
يكمنني ان اتجرأ وأدعي انه صار للمسلمين وللعرب ولفلسطين طريقاً,ربما ما زال صغيراً, لكنه يؤدي عبر صناديق الاقتراع الى دوائر صنع القرار الأمريكية والتي كانت حكراً على اعدائنا لعقود, وهذا له ما بعده.
نعم...إنها بداية مرحلة جديدة من التاريخ السياسي العالمي، مرحلة تنهض فيها الضمائر على حساب المصالح، ويصبح فيها الدفاع عن الحق الفلسطيني عنوانًا للإنسانية لا شعارًا سياسيًا.
اخر الكلام:
الاربعاء والخميس 12, 13 نوفمبر الجاري نشرت مراسلات الكترونية حساسة وخطيرة تتعلق برجل الاعمال الامريكي اليهودي جيفري ابستينالذي صرحت عدد من الشخصيات السياسية والاعلامية الامريكية الوازنة انه عميل لجهاز المخابرات الاسرائيلي "الموساد" وتشير الوثائق المنشورة الى تورط أسماء شخصيات كبيرة جداً في قضايا منافية للاخلاق وخارجة عن القانون, ومن اشهر هذه الاسماء دونالد ترامب وكذلك اخرين من العاملين في فريقه.
بالاضافة الى التداعيات الفضائحية والاخلاقية والاجتماعية لمثل هذه السلوكيات المقززة, فان اغتصاب الاطفال جريمة كبيرة جداً في القانونالامريكي وقد تصل عقوبة مثل هذه الجريمة الى السجن مدى الحياة, وهنا تكمن خطورة ملفات ابستين والتي تشمل ايضاً وفقاً لمصادر مطلعة تسجيلات صوت وصورة لعمليات الاغتصاب المشار اليها وبحيث يمكن استخدامها في ابتزاز الشخصيات المتورطة والواردة في المراسلات واجبارهم على اتخاذ مواقف سياسية وعسكرية بعينها تحت امكانية كشفها وتقديمها كأدلة إدانة دامغة.....
من المرجح ان يقوم الكونجرس الاسبوع المقبل بالتصويت على كشف المزيد من وثائق ابستين, ما يعني المزيد من المفاجئأت وفضائح من الوزن الثقيل, وقد يكون ذلك موضوع مقال قادم ان شاء الله.
د. سمير الددا
[email protected]



.jpeg)

.jpeg)