زيارة ولي العهد السعودي إلى واشنطن… تغير قواعد اللعبة في الشرق الأوسط

شهدت العاصمة الأمريكية واشنطن، الثلاثاء 18 نوفمبر الجاري، واحدة من أهم الزيارات السياسية في تاريخ البيت الأبيض الحديث، حيناستضاف خلالها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في مراسم استقبال غير مسبوقة تعكس حجم ونوع التحول الذي تشهده العلاقات بين البلدين وأثرها المتوقع على توازنات الشرق الأوسط.

في حدث نادر جداً وربما غير مسبوق فقد حلق سرب من مقاتلات F-35في سماء البيت الأبيض تحيةً للأمير، واصطفت ثلة من قوات مشاة البحرية الأمريكية لاستقباله، فيما أطلقت المدفعية 21 طلقة ترحيباً بقدومه، وعُزف السلام الوطني السعودي، وتقدّم موكب الخيالة الأمريكية لمرافقة موكبه داخل ساحات البيت الابيض في مشهد لم يعتده البروتوكول الأمريكي ولم يحظ به أي زعيم أجنبي اخر في العقود الأخيرة.

 

زيارة في توقيت حساس… وملفات ملتهبة

حلّ الأمير محمد بن سلمان في واشنطن في لحظة إقليمية معقدة، تزامناً مع استمرار إسرائيل في خرق اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعاه ترامب شخصياً، وارتكابها مزيداً من جرائم الإبادة بحق المدنيين في قطاع غزة، رغم صدور قرار مجلس الأمن رقم 2803 الذي رسّخ تثبيت وقف إطلاق النار ودعم "خطة ترامب للسلام" لإعادة إعمار القطاع.

ويأتي ذلك في ظل إدراك واشنطن للدور المركزي الذي لعبته السعودية، بالشراكة مع فرنسا، في تشكيل ضغط سياسي ودبلوماسي دولي على إسرائيل ومنعها من الاستمرار في سياسة التطهير العرقي والتهجير، إضافة إلى نجاح المؤتمر الذي ترأسته الرياض وباريس في نيويورك قبل شهرين، والذي أسفر عن اعتراف دول نووية كبرى ودائمة العضوية في مجلس الأمن بدولة فلسطين.

هذا الطوفان الدولي من الاعترافات بالدولة الفلسطينية، إلى جانب صمود غزة الاستثنائي، دفع إدارة ترامب إلى تبني خطة شاملة لدعم السلام وإعادة الإعمار، وتقديمها لمجلس الأمن عشية زيارة ولي العهد السعودي إلى واشنطن.

الاستقبال الضخم الذي نظمه البيت الابيض لولي العهد السعودي يعكس إدراكاً أمريكياً متزايداً للوزن السعودي في معادلات الشرق الأوسط، خصوصاً بعد الدور المحوري الذي لعبته المملكة في جهود إحلال الاستقرار الإقليمي، وتبنيها مبادرات سياسية أثّرت بعمق في مسار الحرب على غزة ومستقبل القضية الفلسطينية.

وترى واشنطن في رؤية المملكة 2030 مشروعاً حضارياً واقتصادياً يصنع تحولاً نوعياً في موقع السعودية ضمن الاقتصاد العالمي. فنجاح الرياض في تطوير قطاعات السياحة والترفيه والعقار والرياضة والتكنولوجيا، وقيادتها لصندوق الاستثمارات العامة، جعلها لاعباً اقتصادياً يوازي كبار الاقتصادات الصاعدة.

إنجازات داخلية… وصورة سعودية جديدة

شهد الداخل السعودي تحت قيادة الأمير محمد بن سلمان انفتاحاً واسعاً وتحديثاً عميقاً في مختلف القطاعات، من الاستثمار إلى الحداثة الاجتماعية والبنية التحتية، ما عزز استقرار المملكة ورفع قدرتها على جذب رؤوس الأموال العالمية، وجعلها بيئة آمنة ومشجعة للاستثمار الدولي.

وقد أشاد الرئيس ترامب مراراً—في المؤتمر الصحفي المشترك وفي حفل العشاء الكبير بالبيت الأبيض مساء اللقاء—بالإصلاحات التي يقودها ولي العهد، وبالتطور المتسارع الذي تشهده المملكة على المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

 

رسائل واشنطن… وخارطة نفوذ جديدة

لم يكن الاحتفاء الاستثنائي بضيف واشنطن مجرد حفاوة بروتوكولية؛ بل رسالة مباشرة للعالم، وللمنطقة على وجه الخصوص، بأن الولايات المتحدة تعيد ترتيب تحالفاتها وصياغة رؤيتها الأمنية في الشرق الأوسط.

ومن أبرز محطات الزيارة توقيع اتفاقية شراكة استراتيجية/دفاع مشترك بين البلدين، تُصنّف السعودية بموجبها حليفاً عسكرياً رئيسياً للولايات المتحدة من خارج الناتو—وهو تصنيف لا تحصل عليه إلا دول قليلة—وبالتالي يصبح أي اعتداء خارجي على المملكة اعتداءً على الولايات المتحدة، والعكس صحيح.

كما حصلت السعودية على صفقة تاريخية تضم 48 مقاتلة F-35المتطورة، التي تعدّ الأكثر تقدماً في العالم، ولا تملكها في المنطقة سوى إسرائيل، إلى جانب اتفاقية تعاون نووي سلمي تسمح للمملكة بتأسيس برنامج نووي محلي يشمل تخصيب اليورانيوم داخل أراضيها.

هذه التطورات تمثل، بحسب خبراء، تحولاً جذرياً في موازين القوى بالشرق الأوسط، وتحدياً مباشراً لمبدأ "التفوق العسكري النوعي لإسرائيل “Qualitative Military Edge - QME”" الذي تبنته واشنطن لعقود لحماية التفوق العسكري الإسرائيلي على جميع دول المنطقة مجتمعة.

 

هل انتهى عصر الـ QME؟

كان الكونغرس الأمريكي قد أقرّ في الثمانينيات قانون QME بضغوط من اللوبي الصهيوني، لضمان حصول إسرائيل على أسلحة أكثر تقدماً من أي دولة عربية أو إسلامية، ولمنع بيع أي منظومة عسكرية قد تهدد هذا التفوق.

غير أن الصفقة السعودية–الأمريكية الجديدة، بطائرات F-35 وبرنامج نووي سلمي وشراكة دفاعية شاملة، تشير إلى أن إدارة ترامب تجاوزت فعلياً هذا القانون، وفتحت الباب أمام ترتيبات أمنية جديدة تنهي مرحلة الاحتكار الإسرائيلي للتفوق العسكري في المنطقة.

 

اتفاقيات ضخمة في قطاعات المستقبل

ولم تتوقف إنجازات الزيارة عند البعد الأمني فقط؛ إذ شملت توقيع اتفاقيات استراتيجية في مجالات التقنية المتقدمة، وصناعة أشباه الموصلات والشرائح الدقيقة، والذكاء الاصطناعي، والطاقة النظيفة، والصناعات المستقبلية التي تمثل العمود الفقري لاقتصاد العالم خلال العقدين المقبلين.

 

اخر الكلام:

تؤكد زيارة ولي العهد السعودي إلى الولايات المتحدة أن المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة تتغير فيها قواعد اللعبة، ويعاد فيها توزيع النفوذ، وتتراجع فيها ثوابت استمرت عقوداً وعلى رأسها تفوق إسرائيل العسكري المطلق.

إنها زيارة لا تقتصر أهميتها على الاستقبال الاحتفائي الذي رافقها، بل على ما حملته من اختراقات أمنية وعسكرية وسياسية ستنعكس على الشرق الأوسط لسنوات قادمة، وستعيد رسم خريطة القوى والنفوذ في المنطقة بالكامل.

 

د. سمير الددا

[email protected]

خميس, 20/11/2025 - 20:59