
لا يمكن الحديث عن حكم الرئيس السابق معاوية ولد سيدي أحمد الطايع دون التوقف عند رجل حاذق نبيه شغل مدير ديوانه لسنوات. وفي هذا الصدد، سنتناول قصة طريفة مشهورة رواها لوليد ولد وداد بعد تقاعده في مسقط رأسه وادان حيث يخاطبه الجميع بالولد بصيغة التفضيل، مع أحد أعيان موريتانيا ورجالاتها المؤسسين، فقد أظهر تعامل لوليد نباهة وقدرة هائلة على قراءة ردود الفعل استشرافياً.
ذات يوم، وبعد أشهُر من مرور أول انتخابات رئاسية في المسلسل الديمقراطي في البلد الذي بدأ عام 1992 جاء سليمان ولد الشيخ سيديا إلى لوليد طالباً منه أن يحدد له موعداً مع فخامة الرئيس، في محاولة لتغيير نظرته عن مدينة بتلميت التي أحرجته بأحد أبنائها، لدرجة أنها صُنّفت في القائمة السوداء حرصاً من المتنفذين على إقناع معاوية بولائهم التام له.
استجاب ولد وداد بنباهته المعهودة لطلب سليمان ولد الشيخ سيديا، وكلم الرئيس معاوية قائلاً: "سليمان يرغب في الحديث معكم حول قضايا مهمة". انفعل معاوية، الذي لا يزال يتذكر الانتخابات ومواقف أهل بتلميت بحرقة، مكرراً: "لا، لا، لا تدَعْهُ يدخل هنا أبداً...".
ابتسم لوليد ابتسامة مؤدبة، وأشار برأسه بلغة مفادها أن أمركم منفذ، ثم خرج من مكتب الرئيس وجاء إلى سليمان في قاعة الانتظار يبتسم بروية . سلّم عليه وسأله عن أحوال الأسرة، وبعد حديث تمهيدي يناسب مقامه، قال رجل وادان الأول وقتها بلغة مهذبة: "سعادة السفير، فخامة الرئيس يعتذر لكم بسبب انشغاله، وسيخصص لكم الوقت الكافي الذي يناسب مكانتكم، وإذا حدده سأتصل بكم بعون الله". وودعه وداعاً حاراً.
خرج سليمان راضياً مقتنعاً بكلام مدير ديوان الرئيس. وبعد أسبوع، سأل معاوية لوليد عن ما قاله لولد الشيخ سيديا، فقال له الوليد: "اعتذرت له معللاً ذلك بالتزاماتكم". ابتسم معاوية مرددا: "شكراً، شكراً، très bien. اتصل به الآن وحدد له موعداً غداً".اتصل مدير الديوان بسعادة السفير وأخبره بأن الرئيس يريد لقاءه في تمام الساعة كذا.
جاء سليمان وقابل الرئيس معاوية، وبدأت حدة موقفه تخف تدريجياً اتجاه أسرة أهل الشيخ سيديا خصوصا وساكنة ولاية اترارزة عموماً، المتهمة وقتها بدعمها للمرشح أحمد ولد داداه، سعيا منها لتقويض الجهود التي بُذلت بعد 1978، وهو أمر لا يمكن التفكير فيه من وجهة نظر واحد من أعرق أبناء المؤسسة العسكرية.
وهكذا استطاع لوليد أن يجنب الرجلين السقوط في هاوية خلاف عميق تغذيه السياسة والتاريخ وتذكيه أطماع السياسيين في حزب PRDS. وبهذا الأسلوب المرن قدم لولد درسا راقيا في فن أساليب إدارة دواوين الرؤساء، حين استطاع أن يوازن بين مصلحة الرئيس وما يمليه عليه ضميره من واجب النصيحة، بعيدا عن استغلال النفوذ وحرص البعض على العمل بمايواقف أمزجةرؤسائهم دون مراعاة المخاطر المترتبة على ذلك



.jpeg)

.jpeg)