
حين تشرع دولة مثل موريتانيا في إعادة ترتيب علاقتها بمواردها، وفي تشديد قبضتها على المال العام، وفي محاولة إدماج مساحات واسعة من النشاط الاقتصادي في المجال المنظم، فإنها لا تفتح ملفاً تقنياً محدود التداعيات، وإنما تمس واحدة من أكثر البنى حساسية في الاجتماع السياسي كله. ذلك أن الموارد في الدول الهشة أو المترهلة مؤسسياً تتصل اتصالاً مباشراً بطبيعة السلطة وبحدود النفوذ وبالجهات التي راكمت مصالحها في مناطق الظل واستفادت طويلاً من التفاوت بين ما تقوله لتنويم الجماهير وما تمارسه على أرض الواقع. ومن هنا فإنه من الطبيعي أن يوقظ أي إصلاح مالي وإداري - جدير بهذا الاسم - شبكات كاملة من التوجس والممانعة، لأن كل خطوة تتجه نحو الضبط والفرز والرقابة والامتثال تمس - في العمق - توازنات غير معلنة استقرت طويلاً تحت غطاء العادة أو التساهل أو صعوبة المساس بالمألوف.
لذلك - يا سادة - فإنه من الخطأ أن ينزلق النقاش الدائر حالياً إلى مجرد تتبع لحرب المواقع داخل النظام، أو إلى اختزال المسألة كلها في شخص الوزير الأول وما إذا كان خصومه يبالغون في استهدافه أو كان هو يبالغ في توسيع معركته. فذلك كله، على أهميته السياسية، يظل في مرتبة ثانوية إذا ما تم قياسه بالسؤال الأعمق الذي يواجه البلد اليوم. هل تريد موريتانيا أن تنتقل فعلاً إلى طور الدولة التي تضبط اقتصادها، وتحصي مواردها، وتقلص منافذ التهريب والتسرب، وتفرض قدراً معقولاً من الانضباط على المجالين الإداري والمالي؟ أم أنها تريد - أو يُراد لها - أن تبقى رهينة نمط مريح لبعض الفاعلين، مرتفع الكلفة على المصلحة العامة، يقوم على الرمادية وتفاوت الأعباء واتساع المسافة بين دولة القانون ودولة الواقع؟ من هنا تحديداً يبدأ جوهر القضية، ومن هنا أيضاً ينبغي أن يبدأ أي دفاع جاد عن المسار الإصلاحي.
ذلك أن الدول لا تنهض بالنيات الطيبة وحدها، ولا بالخطب الخشبية عن التنمية والعدالة والإنصاف، وإنما تنهض حين تمتلك قدرة عملية على تحويل السلطة العمومية من جهاز تدبير يومي إلى جهاز ضبط وتنظيم وإنفاذ. والدولة التي لا تعرف مواردها على وجه الدقة ولا تتابع مساراتها ولا تضبط منافذ التسرب فيها ولا توسع قاعدتها الجبائية والرقابية على نحو عادل، تجد نفسها - مع مرور الوقت - أضعف من أن تخطط، وأوهن من أن تنصف، وأعجز من أن توزع الأعباء والمكاسب وفق منطق جمهوري متماسك. وعندئذ تفقد السيادة بعضاً من معناها العملي، لأن السيادة لا تبدأ من الخطاب العالي النبرة حول الاستقلال فقط، وإنما تبدأ كذلك من قدرة الدولة على الإمساك باقتصادها، وتمييز المشروع منه من المشبوه، والنظامي منه من غير النظامي، والعائد العمومي منه من المنافع الخاصة التي تتخفى في شقوق الإدارة والمجال غير المصنف.
وفي هذا المستوى بالذات يختلط على الكثيرين الفرق بين الجباية بوصفها أداة بناء، والجباية حين تنفصل عن العدالة فتتحول إلى عبء أعمى، إذ ليس كل توسيع للتحصيل إصلاحاً كما أن كل اعتراض على ضريبة أو رسم ليس مقاومة للإصلاح. صحيح أنه توجد إجراءات قد تفتقر إلى الوضوح الكافي أو إلى التدرج المناسب أو إلى مراعاة الفوارق بين الفئات والقطاعات، وحين يحدث ذلك يتولد احتقان مفهوم ويشعر المواطن أن الدولة تطلب منه أكثر مما تشرح له، أو تثقل عليه قبل أن تقنعه. غير أن هذا الوجه من الحقيقة لا ينبغي أن يحجب عنا الوجه الآخر، وهو أن أي دولة تريد أن تبني قدرتها المؤسسية لا تستطيع أن تواصل العيش داخل اقتصاد عريض لا تعرف حدوده جيداً ولا تصنفه كما ينبغي ولا تطبق عليه القواعد نفسها التي تطبقها على غيره. وعند هذه النقطة يصبح الدفاع عن الإصلاح دفاعاً عن مبدأ المساواة في تحمل الأعباء العامة، وليس عن مجرد قرار مالي معزول.
لهذا السبب لا ينبغي خوض النقاش العمومي بلغة تبسيطية تجعل كل تشديد في التحصيل الضريبي يُقدَّم بوصفه اعتداءً على المجتمع، كما لا ينبغي في المقابل أن يتحدث أنصار الإصلاح بلغة جافة تختزل المواطنين في أرقام أو تتعامل مع القلق الاجتماعي كما لو أنه مجرد سوء فهم. فالعلاقة بين الدولة والمواطن في المسائل المالية أرهف من ذلك بكثير، لأنها تمس - في العمق - معنى العدالة نفسه. ذلك أن المواطن لا يتقبل التكليف العام إلا حين يقتنع بعدالته، وحين يطمئن إلى أن من يطالبه بالواجب يطالبه بذلك ضمن ميزان منصف، وحين يلمس أن الجهد المبذول في التحصيل يقابله جهد مواز في ضبط الفساد، وفي محاسبة النافذين وتقليص الهدر وتحسين الخدمات وترجمة الموارد إلى أثر ملموس في حياة الناس. وكل إصلاح لا ينجح في بناء هذا الجسر بين المورد والعدالة وبين الصرامة والثقة، يظل معرضاً لأن يفقد جزءاً من مشروعيته الاجتماعية مهما بلغت وجاهته التقنية.
ومن هنا أيضاً يتعين فهم شراسة الحملات التي ترافق عادة أي محاولة للانتقال من الفوضى المريحة إلى النظام المزعج؛ فكل بنية إدارية أو مالية رخوة تخلق حولها - مع مرور الزمن - طبقات من المستفيدين، بعضهم ظاهر وبعضهم مستتر، بعضهم ينتفع من الثغرات، وبعضهم يتربح من بطء الرقابة، وبعضهم يستفيد من تداخل النفوذ بالمصلحة، وبعضهم من صعوبة رسم الحدود بين المال العام والمجال الخاص. وحين تقترب يد الإصلاح من هذه المنطقة، فإنها لا تواجه اعتراضاً فكرياً مجرداً، وإنما تواجه شبكة مصالح ترى في التنظيم خسارة، وفي التصنيف تضييقاً، وفي الرقمنة تقليصاً لهوامش المناورة، وفي المراقبة تهديداً لعالم كامل قام على المرونة غير البريئة. وعندئذ يخرج الصراع إلى المجال العمومي في صور متعددة؛ مرة في هيئة غيرة سياسية، ومرة في هيئة حرص اجتماعي، ومرة في هيئة غضب اقتصادي، ومرة في هيئة مرافعة أخلاقية، بينما يظل جوهره الأعمق متصلاً بسؤال: من سيربح إذا نجحت الدولة في تقليص المساحات الرمادية، ومن سيخسر إذا استعاد القانون بعضاً من فاعليته الفعلية؟
ولا يعني هذا، بطبيعة الحال، أن كل من ينتقد السياسات المالية يقع في خدمة الفساد أو يقف ضد الدولة. فالنقد الصادق ضرورة، والرقابة المجتمعية شرط من شروط سلامة الإصلاح نفسه، والاعتراض حين يستند إلى العدالة وتقدير العواقب يرفع جودة القرار العمومي ولا يضعفها. غير أن الفرق كبير بين نقد يريد إصلاح الإصلاح، ونقد يريد إسقاط فكرته من أصلها؛ فالأول يسأل عن التدرج وعن حماية الفئات الأضعف وعن ضبط التوقيت، وعن ضمان اتساق العبء بين مختلف القطاعات وعن ربط التحصيل بمردود عمومي واضح. أما الثاني فيتحرك، في الغالب، من داخل الرغبة في إجهاض المسار الشخصي للمنافس، ومن داخل حنين عميق إلى بقاء الأوضاع متسيبة بما يكفي لكي يحتفظ كل طرف بممراته القديمة، ولكي تبقى الدولة حاضرة في الخطاب وضعيفة في الممارسة، ولكي يظل الامتثال واجباً على البعض وخياراً مرناً عند البعض الآخر.
والواقع أن الخطر الحقيقي على البلاد اليوم لا يكمن في وجود خلاف حول شخص الوزير الأول، ولا في احتدام الجدل حول رسم أو ضريبة أو إيقاع إصلاح؛ فذلك كله يدخل في حياة المجتمعات، بل قد يدل أحياناً على أن الشأن العام ما يزال قادراً على إثارة النقاش.
غير أن الخطر الأعمق يكمن في أن يضيع المعنى الاستراتيجي للحظة كلها، فتتحول معركة الدولة من أجل مواردها وانضباطها ونزاهة أجهزتها إلى ضوضاء حول الأشخاص، وتتحول مقاومة الامتيازات إلى مجرد فصل من فصول الصراع على النفوذ، وتعود المسألة الكبرى، مسألة بناء دولة أوضح رؤية وأكثر كفاءة وعدالة، إلى سلة المهملات مرة أخرى. وعندئذ يكسب أصحاب المصالح جولة جديدة من دون أن يضطروا حتى إلى إعلان أنفسهم، ويعود البلد إلى الدائرة نفسها التي أنهكته طويلاً، دائرة الضعف في التحصيل والرخاوة في إنفاذ القانون والقدرة العالية على تحويل كل إصلاح إلى معركة شخصية حتى يفقد معناه الوطني.
والخلاصة أن الانحياز إلى المسار الإصلاحي، في هذه اللحظة، لا ينبغي أن يأخذ صورة الولاء لرجل - لأن الدول لا تؤسس على العواطف الشخصية ولا على صناعة الأبطال - وإنما على وضوح المعايير وصلابة الفكرة؛ فالمطلوب اليوم هو الانحياز إلى حق الدولة في أن تضبط اقتصادها، وفي أن تحمي مواردها، وفي أن تضيق الخناق على الفساد الإداري والمالي، وفي أن تنقل ذلك النشاط الواسع المبعثر خارج التصنيف إلى داخل المجال الوطني المنظم. والمطلوب في الوقت نفسه أن يظل هذا الانحياز مشروطاً بالعدالة وبوضوح الخطاب وبالتدرج وبتقدير الأثر الاجتماعي، وأيضاً بالقدرة على إقناع المجتمع بأن ما يؤخذ منه يعود إليه في صورة نتائج ملموسة وليس في صورة شعارات.
عند هذا المستوى وحده يتحرر النقاش من الشخصنة ويرتفع إلى مقامه الحقيقي، مقام السؤال عن الدولة التي تستحقها موريتانيا، وعن الثمن الذي ينبغي دفعه حتى تخرج من منطقة المراوحة التي طال أمدها إلى أفق البناء الجاد.
مولاي سيد أحمد



.jpeg)

.jpeg)