حدود دبلوماسية فقدت بوصلتها 

تكشف التطورات الدبلوماسية الأخيرة في منطقة الساحل عن حجم التناقضات ومواطن الضعف التي باتت تطبع السياسة الخارجية الموريتانية، والتي تبدو اليوم أكثر من أي وقت مضى مفتقرة إلى الاستقلالية الاستراتيجية ووضوح الرؤية. ففي الوقت الذي تشهد فيه المنطقة تحولات جيوسياسية عميقة، تتجسد في بروز مراكز نفوذ جديدة وصعود تحالف دول الساحل كفاعل إقليمي مؤثر، تبدو موريتانيا أسيرة مقاربات تقليدية لم تعد قادرة على استيعاب المتغيرات المتسارعة أو حماية المصالح العليا للدولة في بيئة إقليمية آخذة في التشكل من جديد.

وخلال الأشهر الأخيرة، شهدت العلاقات بين نواكشوط وباماكو توتراً متصاعداً. فقد صدرت عن مسؤولين ماليين، وانضم إليهم في مناسبات مختلفة مسؤولون من دول أعضاء في تحالف دول الساحل، تصريحات وتلميحات توحي بأن بعض الدول المجاورة لمالي تؤدي أدواراً ملتبسة في الأزمة الأمنية التي تعصف بالمنطقة. وقد ساهمت هذه الاتهامات، سواء جاءت بشكل مباشر أو عبر الإيحاء والتلميح، في ترسيخ مناخ من الشك وانعدام الثقة أصبحت موريتانيا إحدى أبرز ضحاياه.

وسواء كانت هذه الاتهامات تستند إلى وقائع حقيقية أم لا، فإن مجرد ترسخها في الوعي السياسي الإقليمي يمثل في حد ذاته إخفاقاً دبلوماسياً بالغ الدلالة. فنجاح الدبلوماسية لا يقاس فقط بقدرتها على نفي الاتهامات أو الرد على الحملات الإعلامية، بل يقاس قبل ذلك بقدرتها على منع تشكل مثل هذه التصورات السلبية أصلاً، والحفاظ على صورة الدولة ومصداقيتها داخل محيطها الاستراتيجي.

وتكمن المعضلة الأساسية في أن موريتانيا تبدو وكأنها فقدت تدريجياً موقعها التقليدي كطرف متوازن يحظى بالاحترام والثقة لدى مختلف الفاعلين الإقليميين. فبعد أن ظلت لعقود تُنظر إليها باعتبارها جسراً للحوار وقناة للتواصل بين مختلف الأطراف، أصبحت تواجه اليوم حالة متنامية من التحفظ والريبة في عدد من العواصم المؤثرة في المنطقة. ويعكس هذا التحول سياسة خارجية اتسمت في السنوات الأخيرة بالتردد وغياب الوضوح، وانشغلت بالحفاظ على بعض الاصطفافات أكثر من انشغالها ببناء رؤية وطنية مستقلة ومنسجمة مع مصالح البلاد الاستراتيجية.

والانطباع السائد حالياً هو أن الدبلوماسية الموريتانية أصبحت دبلوماسية ردود أفعال أكثر منها دبلوماسية مبادرة واستشراف. فبدلاً من توقع الأزمات والعمل على احتوائها قبل وقوعها، تبدو منشغلة بملاحقة تداعياتها بعد انفجارها. فكل اتهام يستدعي بيان نفي، وكل توتر يفرض محاولة تفسير، وكل أزمة تستوجب جهداً إعلامياً لتدارك آثارها. غير أن الدبلوماسية الفاعلة لا تُقاس بقدرتها على إدارة الأزمات بعد وقوعها، بل بقدرتها على منع نشأتها واحتواء أسبابها قبل أن تتحول إلى وقائع سياسية يصعب معالجتها.

وتزداد خطورة هذا الوضع بالنظر إلى السياق الإقليمي الجديد، الذي يشهد صعوداً غير مسبوق للخطابات السيادية ورفضاً متنامياً لكل أشكال الوصاية أو التدخل الخارجي. وفي ظل هذه التحولات، أصبحت أي علاقة يُنظر إليها على أنها مفرطة الارتباط بقوى خارجية عرضة للاستغلال السياسي والإعلامي من قبل الخصوم، وتتحول بسرعة إلى أداة للتشكيك في استقلالية القرار الوطني ومصداقية مواقفه. ويبدو أن موريتانيا لم تدرك بعد بصورة كاملة عمق هذه التحولات، ولا تزال تتحرك وفق تصورات دبلوماسية تنتمي إلى مرحلة إقليمية تجاوزتها الأحداث.

وقد تكون لهذا الواقع تداعيات خطيرة على قدرة البلاد في الدفاع عن مصالحها الاستراتيجية وصيانة أمنها القومي. فلا يمكن لأي دولة أن تبني منظومة أمنية مستقرة في محيط يسوده الشك تجاه نواياها. كما لا يمكنها أن تضطلع بدور الوسيط أو صانع التوافقات إذا كانت أطراف مؤثرة في محيطها الإقليمي تشكك في حيادها. والأهم من ذلك، أنه لا يمكن لأي دولة أن تؤسس نفوذاً دائماً أو حضوراً إقليمياً مؤثراً إذا كانت رسائلها السياسية تُستقبل باستمرار بعين الريبة والتشكيك.

إن التحولات الجارية في منطقة الساحل تفرض على موريتانيا مراجعة عميقة لأولوياتها الدبلوماسية وأدواتها السياسية. فالبلاد بحاجة إلى دبلوماسية أكثر استقلالية ووضوحاً واتساقاً، دبلوماسية تنطلق من المصالح الوطنية وحدها، وتملك القدرة على الحوار مع جميع الأطراف من موقع الندية والتوازن، لا من موقع الارتباط بمحاور أو استراتيجيات خارجية. فبدون هذه المراجعة، قد تجد موريتانيا نفسها أمام عزلة إقليمية متزايدة، وتراجع مستمر في قدرتها على التأثير، في اللحظة ذاتها التي تعاد فيها صياغة التوازنات السياسية والاستراتيجي.

سبت, 20/06/2026 - 23:07