
أثارت مراجعة القوانين المنظمة لعمل الأسلاك العسكرية والأمنية الصادرة عن الحكومة مؤخراً النقاش مجدداً حول مكانة منتسبي القوات المسلحة وقوات الأمن والهيئات شبه العسكرية في منظومة الدولة، وهو لعمري نقاش تقليدي ظل يطفو على الساحة بين الفينة والأخرى منذ إزاحة أول رئيس مدني حكم البلاد غداة استقلالها على يد بعض القيادات العسكرية والأمنية سنة 1978.
ولا تزال بنية الجيش ومكانته في منظومة الحكم تعاني بعض الاختلالات الناتجة عن ذلك إلى اليوم، الأمر الذي ساهم لاحقاً في تغذية نقاش وطني عام حول طابع المؤسسة العسكرية ومكانتها، شاركت فيه مختلف مكونات الطيف السياسي، مطالبة بإبعاد منتسبي قواتنا المسلحة وقوات أمننا عن المعترك السياسي، كما تنص على ذلك النظم والمساطر القانونية المنظمة لعملها، وكما هو الحال في الدول المحترمة، بما يضمن لها أن تظل محل تقدير ومساندة من كافة تشكيلات الشعب الذي انتدبها لحماية أمنه والذب عن حوزته الترابية، بصفتها درع حماية الوطن، ورمز سيادة الشعب الذي تستمد منه وحده قوتها المعنوية، بعيداً عن أي تخندق عرقي أو جهوي أو حزبي ينحرف بها نحو صراعات وسجالات تتنافى مع هيبتها وتقديرها من طرف الجميع.
وقد آن الأوان لمراجعة الوضع القانوني والمؤسسي للقوات المسلحة بعد مرور أزيد من ستين سنة على تأسيسها، وفي هذا السياق تتنزل بجدارة الأهمية البالغة للإصلاحات الجديدة التي طالما شكلت مطلباً مشتركاً يحظى بدعم الجميع، موالاةً ومعارضة، ظل عُرضة للتجاهل من الأنظمة المتعاقبة، حتى قيّض الله لهذه الأمة رئيساً من خيرة أبنائها، تميز عن كافة من سبقوه من الرؤساء بخصال قيادية نادرة، جعلته يهتم بهذا الموضوع الأساسي، سنذكر أبرزها فيما يلي:
- عاش الرجل حياته المهنية التي شاء الله أن تمتد أكثر من أربعين سنة في مهام عسكرية قيادية شملت الفرق والكتائب والألوية والمكاتب، توجت بتوليه القيادة العامة للجيوش، المنصب الذي ظل يقوده بجدارة حتى تقاعده.
- أشرف القائد بكفاءة واقتدار على مسار تطوير وعصرنة الجيش الوطني، أفراداً وعتاداً، بشكل أتاح إحكام السيطرة على كل شبر من الحوزة الترابية التي كانت مسرحاً للجماعات الإرهابية وشبكات التهريب والجرائم العابرة للحدود.
- كان بإمكانه، لو أراد ذلك من أول يوم، قلب الطاولة واستلام مقاليد الحكم، مستفيداً من موقعه القيادي، ومن الاحترام الكبير والسمعة الطيبة التي يحظى بها داخل المؤسسة، فضلاً عن العلاقات الممتازة التي نسجها مع شركاء البلاد. لكنه فضل الانضباط والتمسك بالشرعية، الأمر الذي جعل منه المحاور المؤتمن لدى الشركاء الخارجيين الذين أدت تدخلاته لديهم إلى تسهيل العبور بالبلاد نحو بر الأمان خلال مراحل انتقالية صعبة مرت بها سابقاً، معروفة من قبل الجميع.
واليوم يعود بنا التاريخ لنفس المنزلقات السابقة التي تضع البلاد على مفترق طريق مصيري كلما تطلع الشعب لعبور إحدى المحطات الحاسمة في ترسيخ ديمقراطيته الفتية، بفعل اشتداد التجاذب بين تيارين بارزين، يسعى أحدهما للتمسك بالوضع القائم حفاظاً على مصالح ضيقة؛ في حين ينشد الطرف الثاني تطوير الحوكمة وحماية المكتسبات الدستورية من خلال الدفع لتكريس مسار التناوب الديمقراطي الذي عاشت بلادنا تجربته الأولى سنة 2019، رغم ما رافقها من صعوبات، تتويجاً لمسار تراكمي طويل انطلقت أولى حلقاته الفعلية بعد إقرار ما عُرف بالمواد المحصنة، تلت ذلك حوارات معقدة أفضت إلى تجريم الانقلابات وإقرار متابعة المتورطين فيها دولياً باعتبارها جرائم غير قابلة للتقادم، الأمر الذي كان يفترض أن يؤدي تلقائياً إلى سن قوانين كفيلة ببقاء الجيش الوطني خارج مجال الجدل والتجاذب السياسي. إلا أن الرئيس السابق ولد عبد العزيز فضل انتهاج طريق سابقيه في تمييع مهام الجيش لحاجة في نفسه لم يُرد الله قضاءها.
بناءً على هذا، وبالنظر للطابع الرئاسي المكثف للحكم، واعتباراً للدور السياسي المناقض لمهمتها الذي ظلت تلعبه مؤسستنا العسكرية في مسار الحكم، فإن الشعب الموريتاني برمته يعلق أملاً كبيراً على حكمة ووطنية رئيس الجمهورية، باعتباره القائد الأقدر على اجتياز هذا المنعطف الخطير من خلال رفض الرضوخ لضغوط بعض المحيطين به من أصحاب الأجندات الانتهازية الذين ورطوا جميع الرؤساء السابقين سعياً خلف مصالحهم الضيقة على حساب الوطن، متجاهلين كل مرة ما يترتب على هذا السلوك الأناني من خطر على هؤلاء وعلى الوطن.
من هنا جاءت هذه الخطوة الهامة التي أخذت في الاعتبار، ولأول مرة في تاريخ البلاد، الظروف الوطنية والإقليمية والدولية شديدة التعقيد التي تحيط بالوطن، والتي تتطلب قبل كل شيء إعادة النظر في البنية التنظيمية والوضع القانوني لجيشنا الوطني الذي أصبح مطالباً أكثر من ذي قبل بالتفرغ لمسؤولياته الجسيمة في حماية الدولة والدفاع عن الشرعية.
لذلك، فإن القرار الاستراتيجي الذي صادقت عليه الحكومة خلال اجتماعها بتاريخ 10 يونيو الماضي، والخاص بإعادة الاعتبار لمهمة الجيش، قرار وطني شجاع جاء في وقته المناسب، مدفوعاً بإرادة سياسية صلبة تستند إلى رؤية استشرافية ثاقبة، تسعى لإعادة تأسيس حوكمة الدولة في جميع المجالات عسكرياً وسياسياً واجتماعياً واقتصادياً، كي تكون قادرة على مسايرة المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة، وهو بعيد عن الارتجال، مُنبَتُّ الصلة بالحسابات السياسية الظرفية التي يحاول بعض الصيادين في المياه العكرة ربطه بها. لكن كل وطني غيور يدرك ما يتحلى به رئيس الجمهورية من رزانة وبعد نظر، يعرف حق المعرفة أن هذه الإصلاحات مبعثها المصلحة العامة لا الخاصة. إذ من يكون زيد أو عمرو من العسكريين السابقين ـ مع كامل الاحترام ـ المنشغلين في السياسة لدرجة تضطر معها حكومة تمتلك مقدرات دولة كاملة لتفصيل قانون على مقاسه اتقاءً لخطر انخراطه في السياسة؟!
هل نسي بعضنا أن ثلاثة من كبار الضباط، كلهم شغلوا سابقاً منصب رئيس الدولة، قد ترشحوا للانتخابات الرئاسية، فكانت النتيجة هزيلة. طبعاً يتعلق الأمر بكل من: المرحومين المصطفى ولد الولي واعل ولد محمد فال، إضافة إلى الرئيس هيداله. ثم لماذا لم نسمع من بين زملائنا، قادة المعارضة، من يثمن هذه الخطوة؟ وإلى متى سيستمرون في تجاهل الاستجابة لدعواتهم السابقة لإبعاد العسكريين عن الساحة السياسية؟
وهنا أسجل شهادة حق للتاريخ، كاشفاً سراً يتعلق بهذا الموضوع ظل دفيناً في صدري، يعود للفترة التي كنت خلالها عضواً قيادياً ضمن تحالف العيش المشترك CVE بقيادة المرحوم الدكتور كان حاميدو بابا، الذي قام خلال استقباله من طرف رئيس الجمهورية سنة 2021 بتسليمه، يداً بيد، وثيقة بعنوان: (مشاركة التحالف في الحوار contribution de la CVE au dialogue). وتقترح هذه الوثيقة، التي ما زلت أحتفظ بنسخة منها، بين أمور أخرى، حظر ممارسة جنرالات الجيش لأي نشاط سياسي خلال السنوات الخمس التي تلي إحالتهم إلى التقاعد.
كما تنص أيضاً على المطالبة بإضفاء الطابع الجمهوري على الجيش وعودته للقيام بمهمته الأساسية المتمثلة في حماية الشرعية، بعد مسار حافل بالاختلالات دام أزيد من أربعة عقود، فرضته عليه الأنظمة العسكرية الصرفة خلال الفترات الاستثنائية ومتحوراتها المقنعة التي حكمت بعد الانفتاح الديمقراطي حتى سنة 2019، تاريخ أول تناوب دستوري سلس تعرفه البلاد منذ استقلالها، عدا عن الفترة الخاطفة التي شهدت انتخاب ثاني رئيس مدني للبلاد 2007/2008.
وفي هذا الصدد، لا يفوتني تذكير السيد بيرام اعبيد بمطالباته التي ملأت الآذان من أجل القضاء على ما يسميه نظام 1978 الذي كرس حكم العسكر، مع أني لا أتفق معه في وصف النظام القائم حالياً بالنظام العسكري، نظراً لأسباب عديدة من أهمها:
اعتقادي أن حكم 1978 ومتحوراته، إن صح التعبير، قد تلاشت منذ حصول أول تناوب دستوري على السلطة، أفضى إلى انتخاب فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني سنة 2019.
رئيس الجمهورية الحالي هو أول رئيس ذي خلفية عسكرية يصل إلى الحكم عن طريق الاقتراع المباشر بعد إحالته رسمياً إلى التقاعد، خلافاً لمن سبقوه من العسكريين المستظهرين بالزي المدني، رغم عدم الشطب عليهم ضمن قوائم الجيش النشط، حتى إن الرئيس السابق الجنرال محمد ولد عبد العزيز ظل يتقاضى راتبه بصفته جنرالاً عاملاً طيلة فترة حكمه.
لعل فيما سبق ذكره ما يكفي لتبرير الإصلاحات القيمة التي تبنتها الحكومة لتعزيز مكانة الجيش والارتقاء به نحو التمهين على غرار ما تفعله الدول العريقة، من أجل التصدي للأخطار. وسيدرك ذلك دون عناء من تابع بعناية تفاصيل زيارة الدولة التي أداها رئيس الجمهورية مؤخراً إلى الجمهورية الفرنسية الصديقة، خاصة الصورة المعبرة التي أظهرته يتصفح كتاب vers l’armée de métier (نحو جيش مهني) لمؤلفه الرئيس الفرنسي الأسبق الجنرال ديغول، مؤسس دستور الجمهورية الخامسة. واليوم، وفي ظروف مشابهة، يبادر رئيس الجمهورية، انطلاقاً من الحرص على مستقبل استقرار البلاد المحاطة بالنزاعات من كل جانب، بإصدار تعليماته للحكومة من أجل مراجعة وتحسين القوانين المنظمة لضوابط عمل القوات المسلحة وقوات الأمن، ومواءمتها مع متطلبات بناء دولة مدنية عصرية مستقرة تكرس التناوب الديمقراطي وتوطد دعائم الاستقرار، وتعزز دور الجيش الوطني في حماية الشرعية من خلال إلزام منتسبيه بالتحلي بالانضباط العسكري واحترام واجب التحفظ، والحفاظ على سرية المعلومات الحساسة في عصر أصبحت فيه المعلومات سلاحاً أشد خطراً من المسيرات والمدرعات.
لا مجال إذن للمزايدة على هذه الإصلاحات القيمة التي جاءت في الوقت المناسب، وأملتها ظروف طارئة وطنية وإقليمية ودولية. فوطنياً، تمر بلادنا اليوم، كما أشرنا آنفاً، بمفترق طريق وجودي ينظر إليه المواطنون المخلصون كفرصة ذهبية لإعادة تأسيس الجمهورية من خلال تحسين الحوكمة للانتقال نحو دولة المؤسسات. أما إقليمياً، فإن الفضاء الساحلي الذي ننتمي إليه يشهد دوامة من النزاعات المسلحة لن تظل بلادنا في مأمن من ارتداداتها.
أما دولياً، فهناك نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب أخذ في التشكل، توجد بلادنا بحكم موقعها الجغرافي الاستراتيجي في عمق دائرة اهتماماته، بشكل يجعل أمنها جزءاً من أمن تحالفات دولية كبرى، ما يعني جيوسياسياً أن سياساتنا الأمنية لم تعد شأناً داخلياً في ظل عالم القرية الكونية الواحدة، الشيء الذي يحتم علينا بناء منظومة عسكرية فعالة قادرة على فرض هيبة الدولة داخلياً والتصدي للتهديدات الخارجية.
وتفرض هذه العوامل مجتمعة إعطاء الأولوية القصوى لاستتباب الأمن، ولن يكون ذلك ممكناً دون بناء جيش جمهوري مهني يحظى بالاحترام داخلياً وخارجياً. وسيستذكر الشعب الموريتاني بمرارة تلاعب الرؤساء السابقين بالجيش الوطني، وتمييعهم لمهنته النبيلة، وتدنيسهم لشرف الخدمة العسكرية من أجل البقاء في كرسي الحكم، معتبراً في ذات الوقت الخطوات الإصلاحية الشجاعة التي أعلنت عنها الحكومة بقيادة رئيس الجمهورية لإعادة الاعتبار للجيش الوطني، بفرعيه العامل والاحتياطي، محطة بارزة على طريق بناء دولة المؤسسات وتوطيد دعائم الاستقرار.
وفي هذا الصدد، ستشكل جلسات الحوار المرتقب فرصة مناسبة للنخبة السياسية بطرفيها لتعميق النقاش حول مكانة الجيش ودوره الهام داخل منظومة الحكم. وتلك مناسبة كذلك لإثراء النقاش من خلال تناول المقترحات الإضافية التالية، سبيلاً لبلورة توافق وطني واسع حولها، وفيما يلي إليكم إياها مختصرة على شكل نقاط متتابعة:
- اقتراح تعديلات دستورية تنص على الطابع الجمهوري للجيش الوطني، باعتباره رمزاً من رموز الدولة ومسؤولاً عن حماية الشرعية الدستورية.
- إعادة الاعتبار لجيش الاحتياط الذي يعتبر جزءاً لا يتجزأ من الجيش الوطني، يعزز ويكمل دور الجيش العامل، ويخضع منتسبوه لنفس المساطر المعتمدة داخل الجيش، انسجاماً مع التقاليد العسكرية المعمول بها في مختلف الدول التي يتألف جيشها من فرعين: عامل واحتياطي.
- إلزام الجنود والضباط باحترام واجب التحفظ الذي يمنع الإدلاء بأية معلومات تتعلق بالخدمة ما لم يتم رفع غطاء السرية عنها من قبل وزارة الدفاع بمقتضى قانون تتم المصادقة عليه من قبل البرلمان.
- استحداث مؤسسات مهنية متخصصة تابعة للجيش، قادرة على استيعاب الجنود والضباط أثناء وبعد فترة الاحتياط، تمنحهم تعويضات مناسبة مقابل الاستفادة من خبراتهم.
- بالنسبة للضباط الأعلى رتبة من فئة الاحتياط، يمكن استحداث مجلس أعلى استشاري متخصص في السياسات الأمنية المتعلقة بمحاربة الإرهاب والهجرة والجريمة العابرة للحدود، ليحل محل المجلس الاجتماعي والاقتصادي تحت تسمية: (المجلس الأعلى للسياسات الأمنية)، خاضع لمؤسسة الرئاسة.
- استصدار قانون بأثر رجعي يمنع نشر وتداول أي مادة إعلامية تتناول تصريحات الجنود والضباط السابقين حول الوقائع المتعلقة بخدمتهم في الجيش، تتم بمقتضاه مصادرة المواد الإعلامية المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، حفاظاً على السر المهني والاستقرار والسلم العام.
وختاماً، فإن النخبة الوطنية مطالبة بتجاوز الصراعات التقليدية العقيمة، والتسامي فوق منطق البحث عن المصالح الضيقة من أجل المساهمة، كل من موقعه، في التوصل لتفاهمات وطنية تمكن البلاد من العبور الآمن نحو غد أفضل، بعيداً عن محاولات البعض إعادتنا للمربع الأول من خلال السعي لاستنساخ تجارب الماضي الفاشلة التي حذر منها السيد جالو مامادو باتيا، رئيس المجلس الدستوري، خلال خطابه القيم أثناء حفل تأدية رئيس الجمهورية لليمين الدستورية. ومن المناسب، من أجل إغلاق هذا الباب بشكل نهائي، سن تشريعات وطنية صارمة تجرم الدعوات العلنية لخرق الدستور، مع تحديد العقوبات المترتبة على ذلك.
ويظل المعول، بعد الله عز وجل، على حنكة وحكمة رئيس الجمهورية الذي دعا لتنظيم حوار وطني لمراجعة وتطوير الحكامة، رغم أن بإمكانه إقرار ما يراه مناسباً من تعديلات، بحكم امتلاك أغلبية برلمانية ساحقة تضمن تمرير ذلك، لكنه فضل انتهاج مسار التشاور مع الجميع. ذلكم النهج الذي ظل يميز طريقته في تسيير شؤون البلاد، ومما لا شك فيه أنه سيترك بصمات خالدة في تاريخ الدولة الموريتانية الحديثة.
وفق الله الجميع لما فيه خير البلاد والعباد.
ديدي مصطفى بوه
مهتم بالشأن العام
نواكشوط 22 يونيو 2026



.jpeg)

.jpeg)