
في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، كان جزء من شباب العالم ينظر إلى العنف السياسي نظرة رومانسية تكاد ترفعه إلى مرتبة البطولة.
كانت أسماء مثل ليلى خالد وكارلوس وجورج حبش تتردد بإعجاب في الأوساط الطلابية والسياسية، وكانت منظمات مسلحة مثل “العمل المباشر” في فرنسا، و”الألوية الحمراء” في إيطاليا، وبعض التنظيمات الفلسطينية المسلحة، تُقدَّم لدى كثيرين بوصفها حركات ثورية أو حركات تحرر، رغم أن أساليبها كانت تشتمل في كثير من الأحيان على أعمال تُصنف اليوم ضمن الإرهاب السياسي.
كان ذلك زمناً مختلفاً، اختلطت فيه أحلام الثورة بصور السلاح، ولم يكن العالم قد استوعب بعد الكلفة الإنسانية والسياسية الباهظة للعنف خارج إطار الدولة.
ومع نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، تراجع الإرهاب اليساري إلى حد كبير، ليظهر نمط جديد من العنف المسلح ذي المرجعية الدينية أو المذهبية. فعلى خلفية الثورة الإيرانية برز نموذج ولاية الفقيه، ثم ظهرت جماعات جهادية متعددة، قبل أن يبلغ الإرهاب العالمي ذروته مع أحداث 11 سبتمبر 2001، وما تلاها من حروب وصراعات امتدت إلى أفغانستان والعراق وسوريا ومنطقة الساحل.
وقد أثبتت التجربة أن الإرهاب، مهما اختلفت شعاراته أو مرجعياته، لا يبني دولة ولا يقيم نظاماً مستقراً، بل يقود غالباً إلى الفوضى والخراب وإضعاف المجتمعات التي يدّعي الدفاع عنها.
ومن هنا جاءت أهمية الحوارات والمراجعات الفكرية باعتبارها محاولة لوضع حد للتطرف العنيف، وإقناع من حملوا السلاح بأن زمن الجماعات المسلحة قد انتهى، وأن العمل السياسي أو الدعوي أو الفكري لا يكون إلا بالوسائل السلمية.
ومع ذلك، فإن نجاح هذه المقاربة لا يعني أبداً نسيان الماضي، ولا يجوز أن يكون الإفراج عن بعض السجناء أو إعادة إدماجهم على حساب الذاكرة الوطنية. فهناك جنود موريتانيون ضحوا بأرواحهم دفاعاً عن الوطن في مواجهة الإرهاب، ومن حقهم علينا أن نحفظ ذكراهم، وأن نفي لهم بالعهد، وأن تبقى تضحياتهم جزءاً من الوعي الوطني الجماعي.
لقد تغير العالم كثيراً. واليوم يكاد يكون هناك إجماع على أن الدولة وحدها هي التي تحتكر العنف المشروع وفق القانون، وأنه لا يجوز للجماعات، مهما كانت عقيدتها أو أهدافها، أن تنشئ جيوشاً موازية أو أن تلجأ إلى السلاح لفرض رؤيتها.
فدولة القانون والمؤسسات لا تقوم على منطق الغلبة، وإنما على الاحتكام إلى الدستور والقانون، وعلى التداول السلمي للأفكار والسلطة.
وربما يكون هذا هو أهم درس يقدمه لنا تاريخ العنف السياسي والإرهاب: فالسلاح قد يلفت الأنظار لبعض الوقت، لكنه لا يصنع الأوطان، أما الدولة العادلة والمؤسسات القوية فهي وحدها القادرة على ضمان الأمن والاستقرار وصناعة المستقبل.
عبد القادر ولد محمد



.jpeg)

.jpeg)