
لا يحتاج الدكتور حسن أحمديان إلى رفع صوته كي يفرض حضوره، إنه يناقش، ويفكك، ويعيد الأسئلة إلى أصحابها، حتى تبدو كثرة المحاورين أحياناً أقل أهمية من قدرة رجل واحد على ترتيب أفكاره ومواجهة خصومه. هنا تكمن المفارقة التي تستحق الرصد ، محلل إيراني واحد في مواجهة سبعة محللين عرب على شاشة خليجية؛ سبعة أصوات تتناوب على اتهام إيران بالتوسع والتهديد والتدخل، وايراني واحد متواضع المظهر يواجههم بمنطق هادئ، وحجة مرتبة، وعربية أنيقة لا تخونه فيها المفردة ولا يخذله فيها الاستدلال.
كيف استطاع الرجل أن يجد لنفسه موطئ قدم في قلب شاشة عربية اعتادت استضافة من يحاكمون بلاده، ثم يحول حضوره إلى مواجهة مع الرواية التي جاءوا لتأكيدها؟ إنه يبدو وكانه مختار لهذه المهمة وكانه صاروخ ايراني موجه بدقة صوب الدعاية العربية.
لكن احمد يان فيما يبدو ليس الا نموذجا من مئات بل ربما الاف النماذج من الاكاديميين الايرانيين المقتدرين ، فما يقوم به احمد يان ضد الدعاية العربية يقوم بمثله وأكثر الدكتور محمد مرندي الذي يخوض معركة الرواية الإيرانية في الإعلام الغربي الناطق بالإنجليزية، ويواجه صوراً نمطية ترسخت في قطاعات من ذلك الإعلام، وكلاهما، الاستاذ محمد مرندي واحمد يان يدخلان إلى ساحات لا يملكان مفاتيحها، ولا يضمنان أن تكون قواعد النقاش في صالحهما، لكنهما يمتلكان كل الأدوات المعرفية واللغوية، ويعرفان أن ترك الرواية المقابلة من دون منازعة يعني السماح لها بالتحول إلى حقيقة وحيدة.
إنهما نموذجان لحضور أكاديمي إيراني يدرك أن الصراع لا يدور فقط على الأرض، بل على الشاشات أيضاً، حيث تتشكل صورة الدول، وتُصنع الأحكام، ويُحدَّد من هو المعتدي ومن هو المدافع، ومن يملك الحق في تعريف الأمن والخطر.
لست متابعا ملازما لنقاشات الجزيرة وما اتابعها حين اتابعها الا لرصد ما يصلح من بين محلليها كنماذج متكررة في الثقافة والوعي العربي و الاسلامي، وقد كتبت من قبل عما اسميته بظاهرة لقاء مكي، الذي هو نسخة متكررة من فؤاد الخطيب إبان ثورة العرب على الدولة العثمانية والذي كان يقول ان الاتراك اعداء للعرب وان ابريطانيا ليست هي العدو الوحيد، وهذا هو ما يقوله اليوم لقاء مكي عن ايران واسرائيل، وهذا هو بالضبط ما اربك البوصلة العربية وقاد في نهاية المطاف الى تقسيم العرب وتجزئتهم وانفاذ وعد بلفور.
ليست المسألة بالنسبة إليّ اذن مجرد اختلاف مع محلل أو افتتان بٱخر، بل محاولة لفهم الطريقة والخليفة التي تنتج المواقف و الاجابات .
الدكتور حسن أحمديان ليس مجرد أكاديمي إيراني يدافع عن موقف بلاده؛ إنه صوت قوي يخترق جداراً من التصورات المختلقة، ويتجاوز الحواجز التي أقامتها الأيديولوجيا والطائفية والخصومات السياسية أمام العقل العربي.
قوته ليست في كونه قادم من دولة صامدة واثقة من نفسها، بل في قدرته على انتزاع النقاش من أسر الأحكام المسبقة، وإجبار محاوريه على مواجهة الحجة بدلاً من الاكتفاء باستدعاء المخاوف والاتهامات الجاهزة. وحين يفعل ذلك بعربية أنيقة، وبمعرفة دقيقة، وهدوء لا تلغيه حدة المواجهة، فإنه يكشف أن كثيراً من القلاع التي تبدو حصينة في الاستوديوهات ليست بالضرورة كذلك في عقول الناس.



.jpeg)

.jpeg)