
تتميز الجاليات الموريتاني في الخارج عن نظيراتها بأن غالبية أفرادها اضطروا إلى الهجرة بدوافع معقدة ومركبة في الٱن ذاته... ويمكن، في هذا السياق، التمييز بين ثلاثة أصناف من العقول المهاجرة من موريتانيا.
أولها، وهو الأكثر عدداً، تلك الكفاءات التي عادت إلى الوطن بعد تخرجها في جامعات ومعاهد مرموقة، وهي تحمل حلماً مشروعاً بأن تجد في بلدها وظائف تتناسب مع مؤهلاتها وتميزها العلمي. غير أن محاولاتها المتكررة للبحث عن فرص مناسبة- رغم صبرهاـ باءت بالفشل، فاضطرت إلى الهجرة، أو رضخت للتهجير القسري من وطن آمنت بواجب المشاركة في بنائه.
أما الصنف الثاني، فيضم العقول المتميزة التي منحتها دول أجنبية جنسياتها تقديراً لتفوقها العلمي. ويظل هذا الصنف مشدوداً إلى وطنه، مسكوناً بحنين العودة إلى أرضه، حتى إن بعض أفراده قد يُقدم، في لحظة حاسمة، على الاستقالة من وظائفه المرموقة والعودة إلى موريتانيا. لكنه يصطدم بطبيعة معاملة أبناء جلدته، الذين ينظر بعضهم إليه بوصفه تهديداً لمواقعهم ومناصبهم وطموحاتهم المستقبلية.
وتبدأ الصدمة من حجم التعويضات؛ إذ لا يتجاوز ما يُعرض عليه، في أحسن الأحوال، مائة دولار شهرياً، مقابل خبرة علمية كان يتقاضى نظيرها آلاف الدولارات. غير أن المشكلة، بحسب بعض هؤلاء، لا تكمن في هزالة الرواتب وحدها، بل في طبيعة المعاملة التي توحي بوضوح بأن هذه الكفاءة الاستثنائية ليست سوى أرقام إضافية في طواقم محدودة المردودية، إن لم تكن عديمتها.
في الصنف الثالث، تتجلى اختلالات بنيوية عميقة، ويبرز النزيف الأكثر قتامة: نزيف الموظفين الذين قرروا الهجرة، في لحظة ما، بعدما فقدوا الأمل في أن يمنحهم وطنهم المكانة التي يستحقونها. وقد استطاع كثير من هذه الكفاءات أن يترك بصمات مهمة في البلدان التي استقر فيها.
لا ينبغي، في المقابل، إغفال الأعداد الكبيرة من المهاجرين العاملين في مختلف الحرف والمهن، الذين أسهموا بصورة ملموسة في تحسين الأوضاع الاقتصادية لأسرهم.
وفي الآونة الأخيرة، ومع تصاعد موجات الهجرة في أوساط الشباب، برز جيل جديد من المهاجرين، لم يندمج بعد بصورة كاملة في المجتمعات التي انتقل إليها، لكنه ظل يحمل همّ وطنه، وأصبح بعض أفراده يلعب أدوارا مهمة في كشف الفساد، من خلال ما أطلق عليه مؤخرا التربح من الابتزاز الذي تحول إلى واحد من أبرز وسائل تصفية الحسابات داخل الطبقة السياسية الحاكمة.
إن حديث السلطة عن الجاليات في الخارج تحركه، في المقام الأول، دوافع سياسية، لا سيما بعد تنامي تأثير هذه الجاليات في صناعة الرأي العام المحلي، في ظل الفراغ الذي خلّفه تخلي الصحافة الرسمية، وكذلك الصحافة التي ترفع شعار الاستقلالية، عن مسؤوليتها في تنوير المجتمع وإطلاعه على الحقائق.
صحيح أن ثمة توجه جديد تحمله الحكومة الثانية التي يرأسها الوزير الأول متمثلا في إشراك الكل في بناء وطنهم دون تمييز، وهو نهج ترسخ مع تولي صاحب الفخامة محمد ولد الشيخ الغزواني مقاليد السلطة من خلال خطاباته التاريخية في هذا الصدد في مدينة ودان وغيرها.. غير أن البعض يفسر الاحتفاء بالمهاجرين، بكونه عملية استيعاب سياسية كبرى وليست بالضرورة تكريماً لإسهاماتهم العلمية والاقتصادية، فخلف الدوافع الأساسية لعملية بهذا الحجم ولتوجه من هذا الصنف يبرز تعبير مركز من قلق سياسي من اتساع تأثيرهم في المواطن العادي. وهو ما ينذر بتشكل وعي مجتمعي جديد تسعى الدولة العميقة، عبر هذا النوع من اللقاءات، إلى احتوائه وضبط إيقاعه. قبل خروجه عن السيطرة.
د. أمم ولد عبد الله



.jpeg)

.jpeg)