العرب ما بعد سايكس  بيكو: عروش وكراسٍ في مهب الريح

أوشك العمر الافتراضي لاتفاقية سايكس بيكو أن ينتهي فقد ولى تأثير القوى التي صاغت هذه الاتفاقية ورعتها، وهذا يعني عملياً أن زمن الدولة العربية الصغيرة التي تستطيع ضمان بقائها بمجرد الاحتماء بقوة دولية كبرى، أو شراء الأمن من الخارج،  هذا الزمن قد ولى،  وولت معه  توازنات إقليمية لم تعد قادرة على الصمود. فتركيا تتوسع في حساباتها الاستراتيجية، وإيران تفرض حضورها في معادلات المنطقة، وباكستان قوة نووية لا يمكن تجاهلها، أما إسرائيل التي تريد تحقيق حلم اسرائيل الكبرى ثم ترث بعد ذلك نفوذ الولايات المتحدة المتراجع في المشرق فأمرها بين.  وفي المقابل، يظل المجال العربي موزعاً بين دول صغيرة الحجم محدودة القوة، بعضها يملك الثروة دون السكان ودون الموارد الطبيعية مثل المياه والغذاء، وبعضها يملك السكان والموارد الطبيعية  دون الإمكانات الاقتصادية.

 

 

 

إن الخروج من هذا المأزق العربي او ما يمكن تسميته بنفق سايز بيكو لا يعني بالضرورة إقامة دولة عربية واحدة تمتد من الخليج إلى المحيط. فالدولة العملاقة لن يقبلها أحد فقد تتحول هي الأخرى إلى مصدر اختلال، وقد تنتج مركزاً مهيمناً على بقية الأقاليم. إن المطلوب  اليوم هو التفكير في كيانات إقليمية كبرى، متوازنة في حجمها وقدراتها، تحتفظ باستقلالها السياسي، وتعيد تنظيم علاقاتها مع الاخرين بندية على أساس المصالح والجغرافيا والتاريخ.

 

 

ويمكن على سبيل المثال تصور جمهورية عربية خليجية تضم بعض دول مجلس التعاون  الخليجي مع  تقسيم جديد للاقاليم وفق رؤية جديدة تراعي حسابات التاريخ المعروفة، ثم جمهورية تجمع بين العراق والكويت ، ثم جمهوربة الشام وفلسطين وتضم الضفة الغربية والاردن ولبنان وسوريا، ثم جمهورية مصر مضافا اليها قطاع عزة ومنزوع منها بعض اقاليم الجنوب التي ستلتحق بالسودان الذي سيتوحد تلقائيا مع اريتريا والصومال، اما اليمن فستلتحق به مناطق عسير وجازان ..

 

 

 

 أما بالنسبة لشمال إفريقيا فيتوجب قيام اتحاد مغاربي  يضم المغرب وتونس وليبيا، مع بقاء الجزائر قوة مستقلة لها وضعها  الاستراتيجي الخاص. أما موريتانيا، فتستحق وضعاً استثنائيا يتيح لها الجمع بين عمقها العربي وامتدادها الإفريقي، و الأفصل أن تلتحق باتحاد مع جمهورية مالي في اطار اتفاق شامل ينهي ازمة الساحل ويندمج فيه اقليم ازواد ويمكن ان يطلق على هذه الكتلة جمهورية السودان الغربي  في أطار معاهدة  يتم التوقيع عليها في مدينة تمبكتو  التاريخية برعاية روسيا والصين والجزاير والجمهوية الإسلامية الايرانية وتركيا والاتحاد الاوربي. 

 

 

والفكرة الجوهرية أن تكون هذه الكيانات كونفدراليات داخلية، تحتفظ أقاليمها بمجالسها وحكوماتها وخصوصياتها، بينما تتولى السلطة المركزية الملفات الاستراتيجية المشتركة. ويكون الحكم قائماً على الشورى والاختيار الشرعي للحاكم من قبل مجلس شورى قادم من الاقاليم حيث ينتخب  من قبل مجلس الشورى على أساس الكفاءة  والزهد في الدنيا والاستقامة الدينية، لا على أساس الوراثة أو الثقل القبلي أو الشهادات المستقدمة من جامعات الغرب  او التكوينات في كلياته العسكرية ، مع تحديد الولايات الرئاسية وضمان التداول 

 

إن هذا التصور يسعى إلى استنطاق الواقع العربي المتصلب بهدف الشروع في التفكير في ترتيبات لنفسه قبل أن تنتهي الحروب الجارية فيجد العرب انفسهم مجبرين على ترتيبات صيغت في غيابهم وتم التوقيع عليها دون ان تكون لهم فرصة للاعتراض او طلب المراجعة. 

إن الهدف  هو البحث عن نظام إقليمي جديد للمنطقة العربية يجعلها قادرة على التعامل بندية مع تركيا وإيران وباكستان واثيوبيا  واسرائيل، و يسهم مع هذه الدول الاقليمية في عرقلة مشروع إسرائيل الكبرى.

 

 

إن سايكس ـ بيكو  ليست حكما إلهيا لا رجعة فيه ، فهي مجرد خطوط  وهمية  رسمت من خلاها  خرائط على الورق؛ وقد شكلت بالفعل  نظاماً  مستقرا لتوزيع القوة والسيطرة، ولكن الزمن تجاوزها اليوم ، والتغيير لا  يتحقق الا  بتغيير الخطوط والمعايير التي رسمت الواقع، واول تلك المعايير، طريقة التفكير في الدولة والسلطة والسيادة.

أحد, 08/11/2026 - 14:41