
أصدر مركز أودغست للدراسات الإقليمية ورقة تقديرية جديدة بعنوان: “حين يقترب الانهيار من الحدود: ماذا تعني أزمة مالي الجديدة لموريتانيا؟”، تتناول التحول الخطير الذي تعرفه الأزمة المالية بعد انتقالها من مجرد تدهور أمني متكرر إلى طور أعمق من التفكك الوظيفي للدولة، حيث يتراجع حضور السلطة المركزية خارج باماكو، وتتقدم الجماعات المسلحة داخل خرائط معقدة من التحالفات الميدانية، وتصبح الحدود والمجالات الرعوية والتجارية والإنسانية أكثر قابلية لامتصاص ارتدادات الانهيار.
وتنطلق الورقة من فرضية أساسية مفادها أن الخطر الذي تمثله الأزمة المالية على موريتانيا لا يكمن، في هذه المرحلة، في انتقال آلي ومباشر للحرب إلى الداخل الموريتاني، وإنما في تراكم ضغوط أمنية وإنسانية واقتصادية وإدراكية قد تتسرب عبر الحدود إذا لم تلتقط الدولة علاماتها المبكرة. فالأزمة، حين تقترب من الحدود، لا تصل دائمًا في صورة مقاتلين أو عمليات عسكرية، وإنما قد تتقدم عبر حركة نزوح متزايدة، وتوتر في المراعي، واضطراب في الأسواق، وتغير في مسارات التهريب، وتصاعد في الشائعات، وتراجع في قدرة الدولة المجاورة على ضبط جانبها من المجال الحدودي.
وتقرأ الورقة ما يجري في مالي بوصفه أزمة دولة، إذ تميز بين سقوط الدولة الكامل وبين تفككها الوظيفي، أي بقاء المؤسسات المركزية شكليًا مع تراجع قدرتها العملية على حماية المجال، وتأمين الطرق، وضبط الحركة المسلحة، وإقناع السكان بأن الدولة ما تزال قادرة على الحماية. ومن هذه الزاوية، ترى الورقة أن مالي دخلت مرحلة شديدة الحساسية، بسبب اتساع قدرة الفاعلين المسلحين على المناورة، وظهور تنسيقات ميدانية بين أطراف جهادية وأزوادية مختلفة الأهداف، واختبار حدود الرهان على الشراكة الروسية وفيلق إفريقيا في إنتاج أمن مستدام.
وتخصص الورقة حيزًا مهمًا للارتدادات المحتملة على موريتانيا، خصوصًا في الحوض الشرقي والمجالات المتصلة بالحدود المالية، حيث تتداخل اعتبارات الأمن مع اللجوء والرعي والتجارة والقرابة والذاكرة المحلية. وتؤكد أن إدارة هذا النوع من المخاطر لا تتحقق بالانتشار الأمني وحده، على أهميته، وإنما تحتاج إلى حضور سيادي مركب يجمع بين المعلومة الدقيقة، والتنسيق مع السكان المحليين، والاستعداد الإنساني، ومراقبة اقتصاد العبور، وضبط الاتصال الرسمي، والحفاظ على قناة دبلوماسية هادئة وواضحة مع باماكو.
وتخلص الورقة إلى أن موريتانيا لا تحتاج إلى الخوف من مالي، لكنها تحتاج إلى أخذ تفككها على محمل الجد. فالجوار، حين يفقد بعض وظائفه السيادية، يرسل إنذاراته عبر اللاجئين والطرق والأسواق والروايات قبل أن يرسلها عبر السلاح. ومن هنا تؤكد الورقة الحاجة إلى تفكير استراتيجي يقظ، يدير الهامش قبل أن يتحول إلى بؤرة أزمة، ويحول دون تحول الخوف إلى سياسة عامة، والشائعة إلى حقيقة اجتماعية، والضغط المتدرج إلى هشاشة استراتيجية داخل المجال الوطني.



.jpeg)

.jpeg)